الجمعة 1 يوليو 2022
مواقيت الصلاة
أبرز الأخبار
عدد اليوم
عدد اليوم
ثقافة
«التصميم الإماراتي».. جماليات بلا حدود
(من المصدر)
5 مايو 2022 00:52

نوف الموسى (دبي)

التساؤلات الجوهرية حول صناعة الحرف الفنية التقليدية في دولة الإمارات، تدور بشكل دائم حول إمكانية تعزيز مكانتها الاجتماعية والمعرفية والثقافية، من خلال تطوير أشكال وأبعاد جديدة لاستخداماتها الوظيفية والجمالية، أي استحضار الذاكرة الجماعية، وإدراك القيم الإنسانية، التي نسجت مع الوقت حالة من التبادل الشعوري، وتلبية الاحتياجات بين الإنسان والمواد الأولية، إنها بمثابة طقوس وممارسات أسّست مكونات حيوية في المكون العام لمجتمع دولة الإمارات، وإعادة ابتكارها بوسائل معاصرة وحديثة، تمثل نوعاً من تحقيق الانسجام والتناغم للتصورات البصرية والفكرية التي يحملها أُناس المكان، والتي بالضرورة لها تأثيرات على الطرق الفكرية والسلوكيات العامة، والاتصال المباشر والحيّ مع الطبيعة.
 إنها لغة مهمة، في معمار الهوية وتطورها، ولذلك يأتي توثيق مجموعة من تلك المهن الحرفية، ونمو الرؤى الثقافية حول مستقبلها، في كتاب «منصة التصميم الإماراتي»، لدار «أكتار» للنشر، الهادف إلى نشر الوعي الثقافي حول أعمال نخبة من المصممين الإماراتيين والعالميين والشركاء الدوليين بدعم من «إكسبو 2020 دبي»، فرصة استثنائية لاستمرار الحوار والنقاشات لما بعد الحدث العالمي، وكيفية التفكير في توسيع أفق البحث حول التصميم الإماراتي من خلال مفهوم صناعة الحرف الفنية، وخاصةً الدراسات والبحوث والقراءات التاريخية والجغرافية وربطها بالمتغيرات والتقنيات التكنولوجية المتسارعة. وهناك دائماً سؤال يردده مجتمع المصممين الفنيين وهو: كيف يُمكن تعزيز وعي المجتمع برفاهية الصناعة اليدوية، وانتشار اقتنائها كجزء من إثراء الثقافة المجتمعية ودعم الاقتصاد الإبداعي، إلى جانب تسريع وتيرة التعريف بالإنتاجات الإماراتية المحلية وإيصالها للمجتمعات الفنية في العالم؟ 
ويُحسب لكتاب «منصة التصميم الإماراتي»، أنه بمثابة سرد قصصي للحرف الإماراتية، مع تفسيرات جمالية لمعنى أن يقرر مجتمع ما، أن يصنع من مواده الأولية علاقة تبادلية لتحقيق المعيشة اليومية، كحالة من الارتباط البديع، رغم الحاجة الماسة إليه، إلا أنه أيضاً يأتي تعبيراً عن ترف الترويح عن النفس، مثل قيام النساء بجدل الألياف الطبيعية المستمدة من الأشجار والنباتات في دولة الإمارات، والذي يطلق عليه «السفافة» أو «الخوص»، فالكتاب يُشكل في مضامينه تعاوناً بين المصممين الإماراتيين والمقيمين على أرض الإمارات، ومؤسسات التصميم العالمية من مختلف الثقافات والأعراف والحضارات. وبذلك يحضر الكتاب في كونه يسلط الضوء على البعد المحلي بعفوية ارتباطه بالذاكرة المجتمعية الحس المتوارث بين الأجيال، والبعد العالمي من خلال إمكانية تطوير أبعاد الصنعة المحلية لمنتجات ثقافية عالمية، قادرة على أن تخلق حواراً من شأنه أن يعزز التبادل الثقافي والمعرفي. 
ويقسم الكتاب مرويات الحرف اليدوية إلى سبع مجموعات تتعلق بسبع حرف وتقاليد محلية مختلفة، امتزجت فيها مع أساليب التصميم والابتكار في 11 دولة، وأُطلق عليها «قصص الحرف»، وهي مستوحاة من تعاون استثنائي بين استوديوهات التصميم، ومن أبرزها «قصة الفخار: الغدير للحرف الإماراتية، استوديو كلوڤ»، و«قصة السفيفة: الغدير للحرف الإماراتية، الأخوان كامبانا»، و«قصة التلي: مجلس إرثي للحرف المعاصرة، نيكولا جبران»، و«قصة السدو: إدوارد كاباي (بيت الحرفين) ومختبر إيوان مكتبي»، و«قصة القرقور: كريس شواجا وشيخة وعفراء بن ظاهر» و«قصة الغوص على اللؤلؤ: استوديو أساطير، استوديو تودوموتا» و«قصة القهوة: بيت القهوة، بي دي برشلونة ديزاين». 

قصة «السفيفة»
ومثلت «مجموعتا ترامادو وتالة» بالتعاون بين الغدير للحرف الإماراتية والأخوان كامبانا، قصة «السفيفة»، ويوضح الكتاب ضمن الشروحات التفصيلية للمشروع كيف «تتضافر عملية صنع السفيفة تماماً مع العناصر الطبيعية، فبعد أن يترك الخوص معرضاً للشمس لمدة شهر أو ما يقارب يتغير لونه ليصبح مائلاً إلى الأبيض، ثم يقسّم السعف إلى قسمين، ثم يعاد تليينه حتى لا يجرح أيدي النساجين، وبعد ذلك تصنع منه حصر للنوم، ولتقديم الطعام، وسلال للاستخدامات اليومية، أحياناً، يصبغ السعف بأصباغ من البهارات والأزهار تطبع على نسيج السفيفة أشكالاً هندسية خلابة». وعند التوقف عند جملة «حتى لا يجرح أيدي النساجين»، تحمل في عمقها قراءات أدبية، فيما يعنيه أن يهدِّئ الإنسان من روع الشجرة، ويرتحل بها إلى مسارات إبداعية مغايرة. 
ويضيف الكتاب مفصّلاً: «تتشابه السفافة مع العديد من أنواع النسيج اليدوي التقليدي كصناعة الخوص وتضفير الشعر على الطريقة الإفريقية -من حيث كونها نشاطاً للترويح عن النفس، بإيقاع ثابت وتأثير مهدئ، وقد جري العرف أن تمارس هذه الحرفة داخل المجموعات المترابطة، إذ تنطوي صناعة نسج السفيفة على مغزى يتجاوز إشباع الاحتياجات المادية المباشرة، فهي فن ترويحي يعزز الأواصر وتماسك المجتمع، وتراث معرفي تتناقله الأجيال». وتحتوي مجموعة «تالة» على طاولات جانبية جريئة الألوان محوطة بحصائر السفافة حول القاعدة، صنعتها حرفيات مؤسسة الغدير، أما مجموعة «ترامادو» فعبارة عن ثلاث سلال مستوحاة من نباتات الصبار الموجودة في صحراء البرازيل، المصممة من قبل الأخوين كامبانا.

«قصة السدو»
ولا يزال العالم يُذهل كل يوم، فيما تستطيع التكنولوجيا، من إنجازه على مستوى التداخل اللحظي بين الشعور الإنساني، وقدرة التقنية على ترجمته إلى خوارزميات تبني مغامرة بصرية وحسية جديدة كلياً، ففي كتاب «منصة التصميم الإماراتي» وثّقت العملية البديعة لـ«قصة السدو» الذي أقيم بالتعاون بين إدوارد كاباي بيت الحرفيين، ومختبر إيوان مكتبي، وتمثل في مشروع «سجاد 10 إلى 01»، حيث «استخدم فيه تقنيات متطورة للجمع بين حرفة نسيج السدو وأكثر ممارسيها النساء، وحرفة صناعة شباك الصيد أكثر ممارسيها رجال وتوثيقها، من خلال توظيف أساليب إنتاج متقدمة تعتمد على الروبوتات تبرز القطع تصميماً ديناميكياً يحاكي الحركات الفعلية لأيادي النسّاجين». ولفت القائمون على المشروع أن أولى خطواته تمثلت «في جمع البيانات الرقمية من النساجات وصناع شباك الصيد أثناء عملهم، حيث ألصقت أجهزة استشعار بأصابعهم، ثم جمعت معلومات رقمية ترجمت فيما بعد إلى خوارزميتين مختلفتين تحاكيان بدقة حركات أيديهم الخفيفة، هاتان الخوارزميتان كانتا بمثابة مخطط عمل لمستويين من المعلومات البصرية التي تنطوي عليها القطع النهائية: حركات النسيج من اندفاع الأيدي وميلها واللمسات النهائية من أصباغ تجريدية ملونة». ويتصور المشاهد ذلك الحس التجريدي في الإبداع النهائي للسجادة، إلا أنها فعلياً توحي بحوار سرمدي لهذا التداخل لحركة أيدي نساء ورجال ممارسي المهن الحرفية في دولة الإمارات، ليمثل المشروع نقلة جوهرية في كيفية توسيع القراءات الفكرية والفلسفية لماهية تأثير ممارسة الحرف في تشكيل الخطاب الثقافي والاجتماعي، وبمجرد أن يقتني شخص ما السجادة، وينقلها إلى بيته، هو في الحقيقة، يضفي حدثاً روائياً للمشهدية الحوارية للحرفيين وإحساسهم الكامن في السجادة.

قصة الغوص
«قصة الغوص على اللؤلؤ»، أنتجت مجموعة الثمانية آلاف موجة، حيث استلهم الاسم من تاريخ الغوص على اللؤلؤ الممتد منذ 8000 عام في دولة الإمارات، وتعكس المجموعة بحسب ما أشار كتاب «منصة التصميم الإماراتي» انعكاسات سطح البحر والشمس والإضاءة، وجاءت بالتعاون بين مع محمد السويدي مؤسس استوديو أساطير، واستوديو التصميم تودوموتا الإسباني، وتسرد القصة حيثيات عمل جد محمد السويدي الذي عمل في مجال الغوص على اللؤلؤ، التي دفعته لتأسيس فضاء لصناعة المنتجات المرصعة بقطع من صدف اللؤلؤ، والمعروفة أيضاً بأم اللؤلؤ أو عرق اللؤلؤ، وكان يتم التخلص منها، كونها عديمة الفائدة، إلا أن محمد السويدي استطاع بطريقة إبداعية تحويلها إلى قطعة ذات معنى ومغزى في فضاءات التصميم المحلية والعالمية.
 وفي إشارة للكتاب حول أثر التمازج الساحر بين البعد المحلي والعالمي لإنتاج القطعة الفنية ببعدها الحرفي يُذكر كيف «استمد تودوموتا إلهامه من حركة تواتر أمواج الخليج، وقام بقص وطي شرائح الفولاذ المقاوم للصدأ، لتشكيل طبقات انسيابية ومموجة، وبالتوازي، قام حرفيو استوديو أساطير بقص الأشكال الدقيقة يدوياً من صدف اللؤلؤ لترصيعها، مع بروز الشكل الشاعري للقطع الفنية، في مجموعة الثمانية آلاف موجة، يبرز أيضاً الأسلوب المتبع لترصيع صدف اللؤلؤ. يحكي اختلاف أحجام الثقوب وأماكنها، عن تنوع اللؤلؤ الموجود في أعماق الخليج، ما بين اللؤلؤ الصغير الدقيق والمسمى بالفص، وحتى الحجر الأكبر والأقيم واسمه دانة».

 

جميع الحقوق محفوظة لصحيفة الاتحاد 2022©