دينا محمود (لندن)

رغم اتساع رقعة انخراط الولايات المتحدة في جهود مكافحة التنظيمات الإرهابية في أفريقيا، خلال السنوات الماضية، فإن المؤشرات على الأرض، تفيد بأن ذلك لم يحقق حتى الآن، نتائج توازي ما كُرِّس لهذه الأنشطة، من موارد بشرية ومادية.
ففي الوقت الذي كشف فيه باحثون تابعون لبرنامج «تكاليف الحرب» بجامعة «براون» الأميركية، أن واشنطن نظمت بين عاميْ 2018 و2020 أكثر من 24 عملية تدريب على مكافحة الإرهاب في مناطق مختلفة من القارة السمراء، وأنها نشرت عسكرييها على نحو متزايد في عدد أكبر من بُلدان أفريقيا، على مدى الأعوام الـ15 الماضية، وقد شهدت هذه البقعة من العالم تصاعداً ملموساً في الهجمات الإرهابية كماً وكيفاً خلال الفترة نفسها.
واعتبر الباحث المتخصص في الشؤون الأمنية والدفاعية دانييل آر ديبتريس أن وقوع تلك الاعتداءات الدموية بهذه الوتيرة المكثفة، وكذلك تزايد نفوذ العديد من التنظيمات الإرهابية في أفريقيا في الآونة الأخيرة، يؤكدان وجود الكثير من أوجه القصور في الاستراتيجية التي تتبعها الولايات المتحدة، لكبح جماح الإرهاب في أفريقيا.
فهذه الاستراتيجية لم تسفر حتى الآن عن القضاء على المنظمات الإرهابية أو حتى تقليص قدراتها بشكل كبير، كما أنها لم تفضِ إلى تكوين شبكة من الدول الشريكة للولايات المتحدة على هذا الصعيد. وبجانب ذلك لم تمنع الاستراتيجية الأميركية لمحاربة الإرهاب، زيادة تنظيم «داعش» الإرهابي حضوره في بعض البُلدان الواقعة في جنوب القارة السمراء، بل وأسفرت في بعض الأحيان عن وقوع خسائر بشرية في صفوف الجيش الأميركي نفسه، كما حدث قبل 4 سنوات في النيجر، عندما لقي 4 جنود أميركيين حتفهم، إثر كمين نصبه لهم مسلحون في النيجر.
وشكل هذا الهجوم وقتذاك مفاجأة ليس فقط للقوات الأميركية التي تعرضت له، ولكن كذلك لعدد من كبار أعضاء الكونجرس، ممن كان بعضهم يشرف على عمليات مكافحة الإرهاب، بحكم عضويته في لجنتيْ الاستخبارات في مجلسيْ النواب والشيوخ، وقد أقر بعضهم في ذلك الوقت بأنه لم يكن حتى يعرف أن بلاده، تنشر قرابة ألف جندي في النيجر.
وبدا وقوع ذلك الهجوم رغم نشر تلك القوات وإنشاء وكالة الاستخبارات المركزية «سي آي آيه» قاعدة للطائرات المُسيّرة في النيجر، مخيباً لآمال خبراء مكافحة الإرهاب في الولايات المتحدة، ممن كانوا يعولون كثيراً على الانتشار العسكري الأميركي في هذا البلد، لمواجهة تصاعد الخطر الإرهابي في منطقة الساحل الأفريقي.
وفضلاً عن ذلك، لم تؤت الأنشطة المماثلة التي تقوم بها الولايات المتحدة منذ سنوات في الصومال، ثماراً يُعتد بها. فالخطر الذي تمثله حركة «الشباب» الإرهابية هناك، لا يزال مستمراً وفتاكاً في الوقت نفسه، برغم الدعم الذي يقدمه الجيش الأميركي لقوات الأمن الصومالية، وخاصة في ما يتعلق بشن غارات جوية، ضد المسلحين المتطرفين.
وأشار ديبتريس في مقال نشرته مجلة «نيوزويك» الأميركية، إلى أن إرهابيي «الشباب» يستفيدون في هذا الصدد من الانقسامات السائدة على الساحة السياسية الصومالية، والضعف الذي يشوب أداء السلطات الحاكمة هناك، تلك التي لا يمتد نفوذها إلى ما هو خارج العاصمة مقديشو، سوى بالكاد.
ومن جهة أخرى، حذر المحلل الأمني والدفاعي من أن قوات الأمن في بعض الدول الأفريقية، تستغل الدعم العسكري الأميركي لها، لقلب نظام الحكم في دولها، بدلاً من الاستفادة منه لمحاربة الجماعات المسلحة والإرهابية، وهو ما حدث خلال السنوات الماضية.
ويثير كل ذلك تساؤلات، عما إذا كان من المجدي للولايات المتحدة، أن تواصل التمسك باستراتيجيتها الحالية لمحاربة الإرهاب في أفريقيا، في ظل عدم تحقيقها النتائج المرجوة منها، أم أنه يتعين على صناع القرار في واشنطن، السعي لبلورة نهج مختلف، يتيح الفرصة لمواجهة التنظيمات الإرهابية بكفاءة أكبر، دون التورط في خوض هذه المعركة نيابة عن حكومات دول القارة، أو إفساح المجال لقوات الأمن هناك، لاستغلال الدعم الأميركي لتحقيق أهدافها الخاصة.