حسن الورفلي (طرابلس)

لم تسلم ليبيا من سموم «الإخوان» منذ انهيار نظام معمر القذافي في 2011 وحتى الآن، حيث البلاد لا تزال مهددة من الجماعة التي تهيمن على العديد من المفاصل بسلاح الميليشيات، بل ذهبت بعيداً برفض أي نتائج للانتخابات المقررة في ديسمبر المقبل ما لم تكن لصالحها.
لم تكن «الإخوان» في ليبيا بعيدة عن السيناريو الذي رسمه التنظيم الدولي للجماعة، خلال ما يسمى «الربيع العربي» بالسيطرة على مقاليد الحكم، وبدأت بالتحرك عبر تشكيل كيانات مسلحة موازية للمؤسسات العامة، لفرض واقع جديد، وترسيخ وجود ميليشيات غير نظامية خارج السلطة.
وعقب سقوط نظام القذافي، اتخذ المجلس الانتقالي الليبي قرارات لفتح المجال العام والسماح بتشكيل وعمل الأحزاب الليبية ما مكن «الإخوان» من السيطرة على الأحزاب نتيجة خبراتها في العمل الجماهيري والحزبي، فضلاً عن الاستشارات والدعم الكبير الذي تلقته الجماعة من دول كانت تمولها للصعود إلى سدة الحكم.

مخطط الهيمنة
يقول المحلل السياسي الليبي أحمد المهدوي «إن مشروع الإخوان في ليبيا جاء عام 2011 ضمن مخطط كان يهدف لتمكين تيار الإسلام السياسي أيضاً في مصر وتونس، بهدف تفتيت الدول العربية ضمن ما يسمى مشروع الشرق الأوسط الكبير». ويضيف في تصريحات لـ«الاتحاد» أن «الإخوان» تعمل من وراء الحدود، وولاؤها للمرشد العام للجماعة، ما سهل تمويلها من خزانة الدولة الليبية، لأنها المسيطر الفعلي عليها ونقلها وتجميعها للعناصر في ليبيا ومصر. 
وتمكنت الجماعة من الهيمنة على المؤتمر الوطني العام في أغسطس 2012 نتيجة غياب المنافسة الحقيقية، وهو ما مكنها من فرض السيطرة الكاملة على مؤسسات الدولة الليبية، وتمريرها للقوانين والتشريعات التي ترسخ حكمها لفترة طويلة، حتى إن تشكيلاتها لجأت لاستخدام سلاح الترهيب لتمرير تشريعات بعينها عبر المؤتمر الوطني العام. ويتابع المهدوي قائلاً «لم تكن ليبيا آمنة لأي حزب سياسي أو شخصية تعارض فكر جماعة الإخوان، أو لا تتحالف معها، نظراً لسطوة ميليشياتها في المدن، وخاصة العاصمة طرابلس، ورغم عودة المعارضين للقذافي من الخارج بعد سقوط النظام للانخراط في العمل السياسي إلا أنهم اصطدموا مع عقلية الإخوان التي لا تقبل الآخر».

«فجر ليبيا» والخطر
في ظل حالة الانسداد السياسي وهيمنة «الإخوان» على المشهد خلال عامين هما الأصعب في تاريخ ليبيا بعد 2011، جرت انتخابات برلمانية سقطت فيها الجماعة، وكان هذا السقوط المدوي رسالة قوية مفادها أن حكم الجماعة في ليبيا قد انتهى بشكل شرعي وعبر صندوق الاقتراع، إلا أن الجماعة رفضت قبول النتائج ولجأت إلى سيناريو العنف.
ويشير المهدوي في هذا الصدد إلى أن «الإخوان» لن تقبل بنتائج الانتخابات المقررة في 24 ديسمبر المقبل في حال خسارتها هذا الاستحقاق، موضحاً «أن هذه التأكيد جاءت على لسان قادة الإخوان في ليبيا، وفي مقدمهم خالد المشري ومحمد صوان، اللذان قالا صراحة «إنهما سيرفضان نتائج الانتخابات في حال فوز شخصيات، مثل المشير خليفة حفتر أو سيف الإسلام القذافي»، بل لوحت الجماعة باللجوء إلى السلاح كرسالة للأطراف الليبية بأنها لن تقبل بأي نتائج لا تلبي طموحاتها، وفق المهدوي، مشيراً إلى رفضها نتائج انتخابات مجلس النواب الليبي عام 2014 وقيامها بعملية عسكرية تحت مسمى«فجر ليبيا». لافتاً إلى أن مجلس النواب الليبي عكف على تصحيح المسار وتحرك لتصويب الأخطاء التي تسببت في انهيار وتفكك عدد كبير من المؤسسات الوطنية، خاصة المؤسستين الأمنية والعسكرية.

طرابلس والمال
بعد سقوط«الإخوان» في انتخابات مجلس النواب 2014 لم يكن أمام الجماعة مفر إلا السيطرة والهيمنة على المؤسسات السيادية وخاصة المصرف المركزي والمؤسسات المالية الأخرى، وذلك لتوفير التمويل والدعم اللازم وخاصة الاعتمادات للميليشيات المسلحة التابعة لها أو المتحالفة معها كي تحتمي بها حال تطور المشهد السياسي الرافض لها. 
وعملت الجماعة على ترسيخ تواجدها في مدن المنطقة الغربية خاصة في طرابلس، وتحركت لزيادة ترسانتها العسكرية خوفاً من تحرك الشارع الليبي للمطالبة بإسقاطها مثلما حدث في مصر.
ويتخوف أبناء الشعب الليبي من تكرار مشهد العنف الذي قادته تشكيلات تنتمي لفكر«الإخوان» والجماعات المتشددة الأخرى الذي جرى عام 2014، خلال الانتخابات المقررة في ديسمبر المقبل، وهو ما تخشاه الجماعة التي تخطط للمشاركة في الانتخابات عبر قيادات الصف الثاني والثالث.
ويقر المحلل السياسي الليبي لـ«الاتحاد» بأن«الإخوان» تنظيم له أذرعه وليس من السهل مواجهته لكن يمكن التصدي لفكره بفضح أيديولوجيته، وتوضيح علاقته بالتنظيمات الإرهابية الأخرى والعمل على تقوية التحالف مع التيار المدني والالتفاف حول قيادة موحدة لمواجهة هذه الجماعة والحد من سيطرتها على مفاصل الدولة الليبية، والتعاون المشترك بين الدول التي تحاول إنهاء سطوتها وتحجيم انتشارها.
وكان كشف النقاب عن محاولات لـ«إخوان ليبيا» لدعم حركة النهضة في تونس، خاصة بعد الإجراءات التي اتخذها الرئيس قيس سعيد بتجميد البرلمان وإقالة رئيس الوزراء وتولي السلطة التنفيذية. كما كشف النقاب عن تسهيل الجماعة عودة نفوذ المنظمات الإرهابية لاسيما«داعش» في منطقة غرب أفريقيا.