أحمد شعبان (القاهرة)


أكد علماء الأزهر الشريف أن الهجرة النبوية الشريفة كانت البداية لوضع حجر الأساس لدولة الإسلام من خلال وثيقة المدينة التي وضعها النبي صلى الله عليه وسلم، كأول وثيقة في العالم عرفت حقوق الإنسان وأسست لمبدأ المواطنة، ورسّخت للتعايش السلمي والتسامح والأخوة الإنسانية، والاعتراف بالآخر، واحترام عقائد الآخرين.


وأوضح العلماء لـ«الاتحاد» أن مبادئ «وثيقة الأخوة الإنسانية» التي وقعها فضيلة الإمام الأكبر الدكتور أحمد الطيب شيخ الأزهر الشريف، وقداسة بابا الفاتيكان فرنسيس في أبوظبي 2019، وبرعاية كريمة من صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان ولي عهد أبوظبي نائب القائد الأعلى للقوات المسلحة، قائمة على مبادئ وثيقة المدينة ولا تخرج عنها.


الهجرة النبوية
وأكد الدكتور شعبان إسماعيل أستاذ أصول الفقه بجامعة الأزهر، أن الهجرة النبوية الشريفة تمثل حدثًا تاريخيًّا فارقًا في تاريخ الإسلام، ونقلة مهمة انتقل بها المسلمون من الضعف إلى القوة، ومن الظلم والاستبداد إلى العدل والمساواة، وانطلقت بموجبها الدعوة إلى رحاب واسعة يذكر فيها اسم الله تعالى، مؤكداً أن الهجرة كانت البداية لوضع حجر الأساس لدولة الإسلام التي ترسخ مبادئ الوسطية والتسامح والمواطنة والأخوة الإنسانية وسيادة القانون والارتقاء بالمعاني الإنسانية والقيم الروحية، ووضعت الإنسان في مقدمة الاهتمامات.
وشدد أستاذ أصول الفقه خلال حديثه لـ«الاتحاد» على أنه ينبغي علينا أن نجعل العام الهجري الجديد، بداية جديدة لمرحلة جديدة في حياتنا، نبدأها كما بدأها رسول الله صلى الله عليه وسلم في المدينة المنورة بعد الهجرة، بعيدًا عن الخلافات وأهلها في مكة.
وأضاف «إسماعيل»: لتكن لنا في ذكرى هجرة النبي صلى الله عليه وسلم من مكة المكرمة إلى المدينة المنورة موعظة حسنة، من المؤاخاة التي عقدها الرسول صلى الله عليه وسلم بين المهاجرين والأنصار في المدينة المنورة، حيث آخى بينهم حتى اقتسموا المهنة والمسكن ولقمة العيش معًا، وعاشوا متعاونين مع الأنصار من أهل المدينة.


وثيقة المدينة
وبدوره أكد الدكتور عبدالفتاح العواري عميد كلية أصول الدين بجامعة الأزهر، أن الهجرة النبوية الشريفة أعطت درساً في إقامة دولة تحت مظلة المواطنة دون نظر إلى لون أو عرق أو جنس أو دين، مشيراً إلى أنه حينما وصل رسول الله المدينة المنورة بنى المسجد وآخى بين المهاجرين والأنصار، قائلاً: «تآخوا اثنين اثنين»، ووجد مع قبائل الأوس والخزرج طوائف أخرى بجانب المهاجرين والأنصار، من أهل الكتاب، فما أغفلهم رسول الله، بل وضع معهم وثيقة المدينة التي نصت على منح الجميع حرية الاعتقاد وممارسة شعائر دينهم دون تضييق عليهم.


وأضاف عميد أصول الدين لـ«الاتحاد»: أن الوثيقة تأسست على أن يكون اليهود مع المسلمين أبناء وطن واحد، حيث جعلهم الرسول صلى الله عليه وسلم مع المسلمين أمة واحدة وشعباً واحداً بمصطلح العصر الذي نعيش فيه الآن وهو عصر الدولة، حيث قال في مواد وثيقته: «المسلمون واليهود أمة واحدة»، ثم قرر النبي مبدأ حرية الاعتقاد وممارسة شعائر كل دين فقال صلى الله عليه وسلم: «لليهود دينهم، وللمسلمين دينهم»، ومن هنا انطلقت تلك الدولة الفتية تحت مظلة المواطنة.


وأشار «العواري» إلى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم يُعد أول من أسس لمبدأ المواطنة، وأن وثيقة المدينة تعد أول وثيقة في العالم عرفت حقوق الإنسان، حيث قرر فيها «لهم ما لنا، وعليهم ما علينا»، أي لهم ما لنا من حقوق، وعليهم ما على المسلمين من واجبات، مؤكداً أن وثيقة المدينة رسخت للتعايش السلمي، والاعتراف بالآخر، واحترام عقائد الآخرين.
وأكد أن قيم ومبادئ وثيقة المدينة التي لو طبقتها كثير من الدول في عصرنا الحديث، لعاشت الإنسانية كلها في ظل قاسم مشترك كما جاء في القرآن الكريم: «يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم»، وعاشت الإنسانية كلها إخوة متحابين ومتعاونين على البر والتقوى متعايشين في سلم وأمن وأمان.
وأكد «العواري» أن مبادئ وثيقة الأخوة الإنسانية التي وقعها فضيلة الإمام الأكبر الدكتور أحمد الطيب شيخ الأزهر الشريف، وقداسة بابا الفاتيكان فرنسيس في أبوظبي، وبرعاية كريمة من صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان ولي عهد أبوظبي نائب القائد الأعلى للقوات المسلحة، قائمة على مبادئ وثيقة المدينة ولا تخرج عنها، مضيفاً: «إن كل ما أتى في اتفاقية لاهاي واتفاقية جنيف المعدلة، تنص بنفس العبارات على ما قرره النبي العربي محمد منذ أكثر من 14 قرناً من الزمان».


واختتم «العواري» حديثه قائلاً: «حري بالبشرية كلها أن تنتفع وتقتبس من دروس هجرة النبي في ترسيخ المواطنة واحترام عقائد الآخرين، وليؤمن أصحاب الأديان سواء كانت سماوية أو مللاً ونحلاً وضعية، أن يؤمنوا بأن سنة الله في الكون أرادت أن تكون الإنسانية مختلفة امتثالاً لقوله تعالى:«ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة ولا يزالون مختلفين».