هدى جاسم، وكالات (بغداد)
 
وجه البابا فرنسيس، بابا الكنيسة الكاثوليكية، تحيّةً إلى العراق في القداس الذي أحياه في أربيل، آخر محطات زيارته التاريخية إلى العراق، قائلاً: «الآن، اقتربت لحظة العودة إلى روما، لكنّ العراق سيبقى دائماً معي وفي قلبي». 
واختار البابا أن يختم قداسه برسالة أمل، قائلاً: في هذه الأيام التي أمضيتها بينكم، سمعت أصوات ألمٍ وشدّة، ولكن سمعت أيضاً أصواتاً فيها رجاءٌ وعزاء، خاتماً بالقول «سلام، سلام، سلام.. شكراً»، ثم «الله معكم» باللغة العربية.
وفي ملعب امتلأ بآلاف المصلين، بدأ البابا فرنسيس، بعد ظهر أمس، إحياء قدّاسٍ احتفالي في أربيل في كردستان، في اليوم الثالث والأخير من زيارته التاريخية إلى العراق. 
وبعد ثلاثة أيام حافلة بالتنقلات بالطائرة والمروحية وسيارة مصفحة في بلد طوى صفحة تنظيم «داعش» الدامية قبل ثلاث سنوات فقط، ولا يزال يشهد توترات أمنية ناتجة عن وجود فصائل مسلحة خارجة عن السيطرة، وصل البابا بمواكبة أمنية كبيرة إلى ملعب «فرانسو حريري» في أربيل في سيارة الـ«باباموبيلي» الشهيرة التي ألقى منها التحية على الجماهير. 
وكان قد زار في وقت سابق مدينة الموصل حيث صلّى على أرواح «ضحايا الحرب». كما زار قرقوش، البلدة المسيحية التي نزح كل أهلها خلال سيطرة تنظيم «داعش» بين 2014 و2017، وعاد جزء منهم خلال السنوات الماضية. 
ويتسع ملعب فرانسو حريري الذي يحمل اسم سياسي أشوري عراقي اغتيل قبل 20 عاماً في أربيل، لعشرين ألف شخص، لكن عدد الحاضرين كان أقل من ذلك بكثير، إذ فرض على المشاركين الحصول مسبقاً على بطاقة خاصة وتمّ تحديد العدد، وذلك في إطار تدابير الوقاية من وباء «كوفيد - 19».
وفي المدينة التي تعرّض مطارها أواخر فبراير لهجوم صاروخي استهدف الوجود الأميركي، لاقى المئات البابا رافعين أعلام الفاتيكان وكردستان وأغصان الزيتون. 
ورغم المسافة التي فرضها الوباء على البابا مع محبّيه، خلفت الزيارة وقعاً كبيراً في نفوس مسيحيي العراق. وقالت مريم قتيمي، البالغة من العمر 15 عاماً، من الملعب: «إن هذه الزيارة حلم كبير وتحقق أخيراً».
وختمت الفتاة الكاثوليكية، التي فرّت من الموصل في عام 2014، وتقطن الآن في أربيل، «البابا سوف يساعدنا على أن نتقرب من الله».

التناقص المأسوي
وفي الموصل، أكد البابا فرنسيس أن الأخوّة أقوى من صوت الكراهية والعنف، ويجب تجاوز الانتماءات الدينية للعيش بسلام ووئام. وقال في كلمة ألقاها، في ساحة حوش البيعة، التي تطل عليها أربع كنائس مدمرة في مدينة الموصل العراقية: «إن تناقص أعداد المسيحيين في العراق وشتى أنحاء الشرق الأوسط، ضرر جسيم لا يمكن تقديره، ليس فقط للأشخاص والجماعات المعنية، بل للمجتمع نفسه الذي تركوه وراءهم».
وصلّى من الموقع الأثري، الشاهد على انتهاكات الإرهابيين، من أجل ضحايا الحرب والنزاعات المسلحة، مؤكداً أن الرجاء أقوى من الموت، والسلام أقوى من الحرب.
ودعا، المسيحيين إلى العودة إلى المدينة، قائلاً: «أدعو العوائل المسيحية لتعود إلى الموصل، وتقوم بدورها الحيوي».
وأضاف: «الأمل في المصالحة لا يزال ممكناً، ونرحب بدعوة المسيحيين للعودة إلى الموصل، ونرفع صلاتنا من أجل جميع ضحايا الحرب».
وقال: «إن ملامح الحرب واضحة ب‍الموصل»، معرباً عن الأسف لأن بلاد الحضارات تعرضت لهذه الهجمة الإرهابية.
وتابع: «إن الهوية الحقيقية لهذه المدينة هي التعايش والتناغم مع أناس من مختلف الثقافات، والأمل لا يزال ممكناً في المصالحة والحياة الجديدة». وأكد البابا أن «مدينة الموصل فيها رمزان يجعلانا نقترب من الله، هما جامع النوري ومنارة الحدباء». 
وتجمع المئات من العراقيين في ساحة حوش البيعة التي تضم كنائس ومنازل دمرها تنظيم «داعش»، حيث جرى تدشين منصة لإقامة حفل استقبال شعبي، شاركت فيه أطياف المجتمع وأداء قداس لضحايا الحرب.
وجرى تزيين مكان الاحتفال بعدد من الجداريات التي تحمل صوراً للبابا، كتب على واحدة منها: «أهالي الموصل يرحبون بقداسة البابا فرنسيس».
وقالت هلا رعد بعد أن مرّ البابا من أمامها: «هذا أجمل يوم». وأضافت المرأة المسيحية، التي فرت من الموصل عند سيطرة الإرهابيين عليها، «نأمل الآن أن نعيش بأمان، هذا هو الأهم». 
وأُرغم العديد من مسيحيي العراق، بفعل الحروب والنزاعات وتردي الأوضاع المعيشية، على الهجرة، ولم يبقَ في العراق اليوم سوى 400 ألف مسيحي من سكانه البالغ عددهم 40 مليوناً بعدما كان عددهم 1.5 مليون عام 2003 قبل الاجتياح الأميركي للعراق.
واكتست هذه المحطة أهمية كبرى، لا سيما أن محافظة نينوى وعاصمتها الموصل، تشكّل مركز الطائفة المسيحية في العراق، وتعرّضت كنائسها وأديرتها التراثية العريقة لدمار كبير على يد التنظيم الإرهابي.

عاصفة لاإنسانية
وقال البابا في كلمته من الموصل: «إنها لقسوة شديدة أن تكون هذه البلاد، مهد الحضارات قد تعرّضت لمثل هذه العاصفة اللاإنسانية، التي دمّرت دور العبادة القديمة». 
لكن، بعيداً عن تراجع الأوضاع في البلاد وهاجس الرحيل، يرى المسيحيون الذين دأبوا منذ أسابيع على ترميم وتنظيف كنائسهم المدمرة والمحروقة، في هذه الزيارة البابوية الأولى في تاريخ العراق، رسالة أمل.
وقال البابا: «ننظر حولنا، ونرى علامات أخرى، آثار القوة المدمّرة بسبب العنف والكراهية والحرب.. كم من الأشياء أصابها الدمار! وكم من الأشياء يجب إعادة بنائها!». 
وتعرّض عشرات الآلاف من مسيحيي نينوى للتهجير في عام 2014 بسبب سيطرة تنظيم «داعش»، ويثق قلّة منهم حالياً بالقوات الأمنية التي يقولون: إنها تخلّت عنهم، ويخشى كثير منهم حتى الآن العودة إلى بيوتهم. 
وإضافة إلى التحديات الأمنية، تأتي الزيارة وسط تحدٍّ صحي أيضاً مع زيادة بأعداد الإصابات بـ«كوفيد - 19»، حرمت الحشود من ملاقاة البابا وإلقاء التحية عليه.
وقال المتحدث باسم الفاتيكان أتيو بروني، أمس: «هذه رحلة لها طابع خاص نظراً للظروف الصحية والأمنية»، مضيفاً: «لكنها مبادرة حبّ وسلام لهذه الأرض وهذا الشعب».  وفي اليوم الثاني من زيارته التاريخية، التقى البابا، في النجف، المرجع العراقي علي السيستاني الذي أعلن اهتمامه بـ«أمن وسلام» المسيحيين العراقيين.