هدى جاسم، وكالات (بغداد) 

استهدفت عشرة صواريخ على الأقل، أمس، قاعدة عين الأسد التي تضم قوات أميركية في الأنبار بغرب العراق، حسبما أفادت مصادر أمنية عراقية وغربية، في هجوم أدى إلى وفاة متعاقد مدني مع التحالف الغربي، ويأتي قبل يومين من زيارة البابا فرنسيس التاريخية إلى العراق.
ويذكّر هذا الهجوم بالصعوبات اللوجستية التي تحيط بزيارة البابا، لاسيما مع انتشار موجة ثانية من وباء «كوفيد- 19»، ووسط تدابير إغلاق لمكافحتها، لكن البابا أكد أمس أنه سيقوم بزيارته على الرغم من الهجوم الصاروخي، موضحاً في عظته الأسبوعية: «إن شاء الله سأذهب إلى العراق لزيارة حج من ثلاثة أيام». 
وقال البابا فرنسيس: «إنه ذاهب إلى العراق، الذي لم يتمكن البابا الراحل يوحنا بولس من التوجه إليه عام 2000، لأنه لا يمكن خذل الناس مرة ثانية».
وناشد البابا فرنسيس بابا الكنيسة الكاثوليكية، المقرر أن يتوجه للعراق غداً، الدعاء والصلاة حتى تتم الزيارة «بأفضل طريقة ممكنة، وتحقق الثمار المرجوة». ولم يتطرق البابا إلى المشاكل الأمنية في العراق.
وأضاف: «منذ فترة وأنا أرغب في لقاء هذا الشعب الذي عانى الكثير».
وعانى الشعب العراقي ويلات الحروب، وقمع مقاتلي تنظيم «داعش». وسيزور البابا مدينة الموصل المعقل السابق للتنظيم الإرهابي، حيث ما يزال على الكنائس آثار الصراع.
وقال البابا: «شعب العراق في انتظارنا.. كان في انتظار البابا يوحنا بولس الثاني، الذي لم يُسمح له بالذهاب، ولا يمكن خذل الشعب للمرة الثانية، فلندعُ من أجل أن تسير الرحلة على ما يرام».

تمسك بالأمل
من جانبه، أعلن الكردينال لويس روفائيل ساكو، بطريرك الكنيسة الكلدانية في العراق والعالم، أن أكثر من 100 شخصية مسلمة ستحضر الصلاة التي من المقرر أن يقيمها البابا يوم السبت المقبل في العراق.
وقال ساكو، في مؤتمر صحفي للجنة المنظمة لزيارة البابا، إن «البابا فرنسيس سيقيم الصلاة في كنيسة سيدة النجاة، وسط العاصمة بغداد».
وأضاف: «إن البابا سيتوجه يوم الأحد المقبل إلى أربيل للقاء مسؤولي الإقليم، وبعدها يزور الجانب الأيمن من الموصل ليظهر للعالم حجم الدمار، الذي لحق بنينوى جراء الإرهاب». وتابع ساكو: «سيعقد البابا لقاءً مع عدد من العراقيين المسيحيين والمسلمين في محافظة نينوى، وبعدها يزور سهل نينوى وقرقوش والحمدانية، من أجل التواصل والتمسك بالأمل والتعاون من أجل مستقبل أفضل».
وأوضح أن «البابا سيوجه رسالة تضامن مع العراقيين حول الأخوة والعيش المشترك ونبذ الكراهية والعنف»، لافتاً إلى «ضرورة نبذ الخلافات والحروب العبثية، وهذا خطاب للعالم كله، ونشر قيم المحبة والتسامح».
وأبرز وزير الثقافة حسن ناظم، جدول أعمال زيارة البابا التاريخية إلى العراق بآخر تحديث له، والتي ستبدأ الجمعة، وتنتهي الاثنين.
وسيزور البابا كذلك مدينة أور، مسقط رأس النبي إبراهيم، عليه السلام، وسيجتمع مع المرجع العراقي علي السيستاني. وقال: «على أرض إبراهيم، ومع زعماء دينيين آخرين، سنتخذ خطوة أخرى باتجاه الأخوة بين المؤمنين». وسيقوم عشرة آلاف من أفراد الأمن بحماية البابا، المرجح أن يتحرك بسيارات مصفحة.
وتقلص بشدة عدد من سيلتقون به شخصياً، بسبب القيود المفروضة للحد من تفشي فيروس «كورونا».

ميدالية الفاتيكان 
إلى ذلك، أصدر الفاتيكان ميدالية تضم مجموعة من معالم العراق ورموزه، بمناسبة الزيارة التي يعتزم أن يجريها البابا فرنسيس إلى العراق. وتظهر الميدالية رموزاً عراقية، من بينها الأهوار والنخلة ونهرا دجلة والفرات.
ويصدر الفاتيكان هذه الميدالية التي يقدمها البابا إلى بعض البلدان التي يزورها، وتعتبر رسالة يفصح عن مضمونها بابا الفاتيكان عند زيارته البلد أو المنطقة المعنية.

«عين الأسد»
وبشأن الهجوم، أوضح المتحدث باسم التحالف الدولي لمكافحة «داعش» في العراق واين ماروتو في تغريدة: «أن عشرة صواريخ استهدفت قاعدة عسكرية عراقية هي قاعدة عين الأسد التي تضم قوات من التحالف في 3 مارس». 
وأضاف ماروتو: «إن قوات الأمن العراقية تقود التحقيق في الهجوم، علماً أن واشنطن تنسب الهجمات المماثلة غالباً إلى فصائل مسلحة موالية لإيران».
وأكد المصدر الأمني العراقي أن الصواريخ أطلقت من قرية قريبة من عين الأسد، وهي منطقة صحراوية، فيما أوضحت مصادر عراقية وغربية أن غالبية الصواريخ، التي استهدفت القاعدة، سقطت في القسم الذي يتمركز فيه عسكريون وطائرات مسيرة أميركية تابعة للتحالف الدولي. 
وأشارت خلية الإعلام الأمني، التابعة لقيادة القوات الأمنية العراقية، بدورها إلى أن الصواريخ التي استخدمت في الهجوم هي من طراز «غراد»، موضحةً أن الهجوم لم يتسبب بـ«خسائر تذكر».  وأكدت وزارة الدفاع الأميركية «البنتاجون» أن متعاقداً مدنياً أميركياً توفي بأزمة قلبية، أثناء الاحتماء من صواريخ أطلقت على القاعدة في العراق.
وقال المتحدث باسم الوزارة جون كيربي في بيان: «لا يمكننا تحديد المسؤولية في الوقت الحالي، وليس لدينا تقدير كامل لحجم الأضرار».

صواريخ «آرش»
من جهتها، أكدت مصادر أمنية غربية أن الصواريخ التي استهدفت القاعدة هي من نوع «آرش»، إيرانية الصنع، وهي ذات دقّة أعلى من الصواريخ التي تستهدف عادة مواقع غربية في البلاد. 
وصواريخ «آرش» هي نسخة إيرانية الصنع من طراز «غراد». وتحدّث تقرير نشرته وكالة «تسنيم» الإيرانية في يوليو 2020، عن تطوير «الحرس الثوري» الإيراني هذه الصواريخ بهدف جعلها أكثر دقّة، لتصبح دقة تصويبها سبعة أمتار. 
ولم تعلن أي جهة، حتى الآن، مسؤوليتها عن الهجوم، فيما لم تحمّل بغداد المسؤولية لأي طرف. إلا أن رئيس الوزراء مصطفى الكاظمي أكد أن أي طرف يعتقد أنه فوق الدولة أو أنه قادر على فرض أجندته على العراق وعلى مستقبل أبنائه، فهو واهم، بحسب تغريدة نشرها مكتبه الإعلامي. وكان الكاظمي تعهد بوقف الهجمات الصاروخية، لكنه يواجه صعوبة في محاسبة الفصائل المسؤولة. وفي أكتوبر، هددت واشنطن بإغلاق سفارتها في بغداد إذا لم تتوقف الهجمات.

«أنتم جميعاً إخوة» شعار الزيارة.. رسالة سلام بابوية هدفها توحيد العراقيين وتضميد جروحهم
دينا محمود (لندن) 

عندما يصل البابا فرنسيس بابا الكنيسة الكاثوليكية إلى العراق الشهر المقبل، سيكون أول بابا للفاتيكان يقوم بذلك على الإطلاق، وسيحقق بهذه الزيارة، حلماً طالما راود كثيرين ممن سبقوه في الجلوس على الكرسي الرسولي، وتاقوا إلى أن تطأ أقدامهم ثرى البلد، الذي يوجد فيه مسقط رأس النبي إبراهيم عليه السلام.
لكن أهمية زيارة البابا لن تقتصر على ذلك، حسبما قالت مجلة «فورين بوليسي» الأميركية واسعة الانتشار.
فهذه الخطوة، التي حذر الكثيرون من إتمامها في ضوء الظروف الأمنية واستمرار تفشي وباء كورونا، ربما تشكل «علامة نادرة على الوحدة، في بلد عُرِفَ بانقساماته».
ولعل هذا ما حدا بمنظمي هذه الزيارة غير المسبوقة، لاختيار عبارة «أنتم جميعاً إخوة» شعاراً رسمياً لها.
وكُتِبَت هذه العبارة على رسمٍ يُصوّر حمامة سلام، تحلق فوق خريطة بيضاء اللون للعراق، يظهر عليها نهرا دجلة والفرات، وعلمان للعراق والفاتيكان.
ومن شأن ذلك، جعل الزيارة التي ستتم في الفترة ما بين الخامس والثامن من مارس، فرصة لتضميد جروح بلد شهد اقتتالاً دموياً على الهوية استمر سنوات طويلة، لا سيما في ضوء تنوع محطاتها، بين بغداد التي سيلتقي فيها البابا فرنسيس الرئيس العراقي برهم صالح، والنجف حيث لقاء مقرر له مع المرجع العراقي علي السيستاني، وذلك قبل التوجه إلى مدينة أور مسقط رأس النبي إبراهيم عليه السلام.

علاوة على ذلك، سيزور البابا مناطق سبق أن نفذ فيها تنظيم «داعش» الإرهابي، عملية إبادة جماعية ضد المسيحيين والأيزيديين منتصف العقد الماضي.
وحرصت «فورين بوليسي» على التذكير بأن جولة بابا الكنيسة الكاثوليكية المرتقبة في ربوع العراق، تأتي بعد محاولتيْن سابقتيْن لم تُكللا بالنجاح، لترتيب زيارتيْن مماثلتيْن، لاثنين من الباباوات السابقين.
وبحسب تقرير المجلة، لا يعتزم البابا فرنسيس التركيز خلال الزيارة على أوضاع مسيحيي العراق ومعاناتهم فحسب، بل سيسعى إلى «جسر الانقسامات بين سكان العراق». وأبرزت حقيقة أن رأس الكنيسة الكاثوليكية، كان أول بابا يزور شبه الجزيرة العربية، وذلك عبر زيارته التاريخية إلى دولة الإمارات عام 2019 بالتزامن مع عام التسامح الذي شهدته الدولة آنذاك.
وأشار التقرير إلى أن زيارة البابا شهدت توقيعه مع فضيلة الإمام الأكبر الدكتور أحمد الطيب شيخ الأزهر وثيقة «الأخوّة الإنسانية»، الرامية لـ«بناء جسور التواصل والتآلف والمحبة بين الشعوب».
واعتبرت «فورين بوليسي» أن زيارة البابا للإمارات، مهدت بشكل ما لزيارته المنتظرة للعراق.
وتساءلت عما إذا كان السيستاني، يعتزم التوقيع بدوره على وثيقة «الأخوة الإنسانية» أم لا، مؤكدة في الوقت نفسه أن لقاءه المقرر مع رأس الكنيسة الكاثوليكية، سيُنظر إليه على نطاق واسع، على أنه يشي بإحراز «تقدم كبير» في العلاقات بين أبناء الأديان والمذاهب المختلفة في العراق.
ومن المنتظر، أن يجدد البابا فرنسيس خلال زيارته لبلاد الرافدين، دعوته لاحترام التعددية، التي سبق أن تحدث عنها في زيارات سابقة إلى دول ذات أغلبية مسلمة في الشرق الأوسط.
كما يُتوقع أن يعلن رأس الكنيسة الكاثوليكية أيضاً من العراق، رفضه لما يروجه البعض بشأن حتمية وقوع صدامات بين الحضارات والثقافات.