دينا محمود (لندن)

لن تكون زيارة قداسة البابا فرنسيس بابا الكنيسة الكاثوليكية إلى العراق بحلول نهاية الأسبوع الجاري، مماثلة للزيارات الـ32 التي قام بها الحبر الأعظم إلى الخارج، منذ جلوسه على الكرسي الرسولي قبل ثمانية أعوام، خلفاً للبابا بنديكتوس السادس عشر. فالعراقيون يواجهون تحديات كبرى، بينما يستعدون لاستقبال البابا فرنسيس، من موجة ثانية من وباء «كوفيد-19»، إلى نقص في الخدمات ووقوع هجمات صاروخية واحتجاجات دامية.
فوصول البابا إلى بغداد يوم الجمعة المقبل يؤذن ببدئه أول زيارة خارجية له منذ 15 شهراً، في ضوء القيود المفروضة على السفر في العالم، جراء تفشي وباء كورونا. كما أن إصراره على التوجه إلى العراق، يمثل تحدياً وشجاعة منه في ضوء المخاوف التي أعرب عنها كثير من خبراء مكافحة الإرهاب، بشأن طبيعة الأوضاع الأمنية في هذا البلد، وكذلك لدواعي القلق الناجمة عن انتشار «كوفيد -19».

إجراءات مشددة
ورغم تراجع وتيرة التفجيرات والهجمات العنيفة الأخرى، على مدار السنوات القليلة الماضية، فقد جددت ميليشيات مسلحة محسوبة على إيران، قبل أسبوعين شنّ هجمات على مصالح أميركية في العراق. وخلال الشهر الماضي كذلك، قُتل ما لا يقل عن 32 شخصاً، وجُرح أكثر من 100 جراء تفجير انتحاري مزدوج، ضرب سوقاً في بغداد.
ودفع ذلك الحكومة العراقية إلى التعهد باتخاذ بإجراءات أمنية مشددة خلال الزيارة التي تستمر ثلاثة أيام، وتشمل ستاً من مدن البلاد، من بينها العاصمة التي سيلتقي فيها البابا فرنسيس الرئيس العراقي برهم صالح ورئيس الحكومة مصطفى الكاظمي. وسيلتقي البابا مجموعة من الأساقفة والكهنة في كنيسة سيدة النجاة للسريان الكاثوليك بالكرادة في بغداد. 
وتشمل الزيارة كذلك، زيارة إلى مدينة النجف جنوبي العراق، حيث لقاء مقرر مع المرجع العراقي علي السيستاني. وأيضاً التوجه إلى مدينة أور مسقط رأس النبي إبراهيم عليه السلام. 

  • تعليق أعلام العراق والكرسي الرسولي في شوارع بغداد (أ ف ب)
    تعليق أعلام العراق والكرسي الرسولي في شوارع بغداد (أ ف ب)

غياب «باباموبيل»
وعلاوة على ذلك، سيزور البابا مناطق في شمال العراق، سبق أن نفذ فيها تنظيم «داعش» الإرهابي، عملية إبادة جماعية ضد المسيحيين والأيزيديين منتصف العقد الماضي.
وقالت صحيفة «الجارديان» البريطانية: إن هذه الجولة التي تشمل مدن الموصل وأربيل وقرة قوش، تشكل المحطة الأهم بالنسبة للمسيحيين العراقيين، الذي عانوا كثيراً خلال فترة هيمنة «داعش» على مناطقهم قبل سنوات. وفي قراقوش، سيتفقد البابا كنيسة القديسة مريم الطاهرة، التي استخدمها إرهابيو التنظيم معقلاً لهم أثناء احتلالهم للمدينة. وفي الموصل، سيقيم البابا صلاة على أرواح ضحايا الحرب في مكان يُعرف باسم «حوش البيعة»، أو ساحة الكنائس. أما في أربيل، فمن المقرر أن يرأس البابا فرنسيس قداساً في ملعب لكرة القدم، لن يُسمح بالمشاركة فيه، سوى لعدد محدود من الأشخاص.
ومن المرجح ألا تكون سيارته المكشوفة الشهيرة «باباموبيل» التي يستخدمها عادة للتنقل محاطاً بنوافذ مدرعة، معه خلال زيارته للعراق.
وتسعى السلطات العراقية لاستغلال هذه الزيارة للقيام بأكثر ما يمكن من التحسينات للخدمات العامة.

إقامة الصلوات 
وأما على صعيد مواجهة المخاوف المتعلقة بوضع تفشي وباء «كورونا» في العراق، فقد تلقى البابا، البالغ 84 عاماً، وعشرات الصحافيين ومسؤولي الكنيسة المرافقين له اللقاح كإجراء وقائي. وحدد منظمو الزيارة البابوية وسط حرص شديد، عدد الأماكن التي ستخصص لإقامة الصلوات.
وسيُطلب من المشاركين في الفعاليات التي ستشهدها الزيارة الالتزام بقواعد التباعد الجسدي، وارتداء كمامات الوجه، خصوصاً بعدما تضاعف عدد الحالات المصابة بكورونا في العراق خلال أقل من سبعة أيام، وهو ما دفع السلطات هناك، إلى بدء تطبيق قيود جديدة للحد من انتشار الفيروس. وتشمل تلك الإجراءات، فرض حظر تجول ليلي، وسريان تدابير إغلاق كامل في عطلة نهاية الأسبوع.

وسيستقبل ملعب أربيل، الذي يضم 20 ألف مقعد، أربعة آلاف شخص فقط لحضور قداس الأحد، وفق منظمي الزيارة. ولن يُسمح للبابا بالتجول بين حشود الجماهير كما يفعل عادة. 
ويُبرز إتمام الزيارة رغم الأجواء الأمنية والصحية المعقدة، أهمية إصرار البابا فرنسيس على القيام بها، لاسيما أنها الأولى من نوعها على الإطلاق لأحد باباوات الفاتيكان إلى العراق، بعد محاولتيْن سابقتيْن لم تُكللا بالنجاح. 
وفي عام 2000، كان البابا الراحل يوحنا بولس الثاني، على وشك زيارة أور، في مستهل جولة في الأراضي المقدسة، بحسب التعبير الإنجيلي. لكن الزيارة أُلغيت بعد انهيار المحادثات الخاصة بترتيبها، مع النظام العراقي الحاكم في ذلك الوقت. وفي وقت لاحق، تلقى خليفته البابا بنديكتوس دعوة رسمية عراقية لزيارة البلاد، غير أن الظروف الأمنية حالت دون تلبيته هذه الدعوة.
وحرصت «الجارديان» على الإشارة إلى أن الجولة الباباوية المرتقبة في المدن العراقية، تأتي بعد نحو عامين من توقيع بابا الكنيسة الكاثوليكية مع فضيلة الإمام الأكبر الدكتور أحمد الطيب شيخ الأزهر وثيقة «الأخوة الإنسانية»، خلال الزيارة التاريخية للبابا إلى دولة الإمارات، بالتزامن مع عام التسامح الذي شهدته الدولة في عام 2019.

ترحيب 
وقال نائب وزير الخارجية العراقي نزار خير الله: إن إجراءات الإغلاق «ستستمر طوال الزيارة البابوية» من الجمعة حتى الاثنين، كما «ستنتشر قوات أمنية لتأمين الطرق».
وستشمل التدابير منع التنقل بين محافظات البلاد.
وبدت آثار الإغلاق واضحة، خصوصاً في مدينة بغداد، ثاني أكبر عواصم الدول العربية من حيث عدد السكان مع عشر ملايين نسمة.
وغاب الازدحام اليومي من شوارع المدينة لتحل مكانه فرق التنظيف والإعمار وإعادة تأهيل الكنائس، كما أزيلت ملصقات كبيرة لسياسيين واستبدلت بأخرى مرحبة بالبابا.

  • عراقيون يعلقون لافتة ترحيب بالبابا في نينوى (أ ف ب)
    عراقيون يعلقون لافتة ترحيب بالبابا في نينوى (أ ف ب)

وقال أمين بغداد علاء معن: «هناك توجيهات لكافة دوائر البلدية لتكثيف الجهد البلدي والخدمي للمدينة»، مضيفاً: «هذه المدينة، حاضرة المدن وعاصمة من عواصم التاريخية الكبرى في الحضارة الإنسانية تستقبل قداسة البابا». ومن المقرر أن يقطع البابا الأرجنتيني خلال رحلته التي تستمر ثلاثة أيام، أكثر من 1645 كيلومترا جواً على متن مروحية أو طائرة فوق مناطق ما زالت تضم مخابىء لعناصر «داعش»، لكن رغم التحديات، تبقى الزيارة رسالة دعم للعراق. ويقول معن: «لم يعد أمام أي مسؤول أجنبي مبرر لرفض زيارة العراق بعد أن يقوم البابا بزيارته».

«زقورة أور» تُضاء فرحاً بالزيارة التاريخية
هدى جاسم (بغداد)

لأول مرة منذ تأسيسها قبل أكثر من 4000 عام، أنارت السلطات العراقية «زقورة أور» في محافظة ذي قار، وظهرت «الزقورة» بشكل جديد بعد إنارتها، استعداداً لزيارة البابا فرنسيس للعراق، وهي المرة الأولى التي ينار فيها هذا المعلم الأثري. 
ومدينة أور واحدة من أهم المحطات في زيارته إلى العراق، فيما تستعد الأوساط الشعبية والحكومية لهذا الاستقبال التاريخي.
و«زقورة أور» من أقدم المعابد التي بقيت في العراق، الذي لطالما وُصف بأنه حاضرة للعلم والفنون والإبداع في التاريخ البشري. 
وعادة ما تتخذ «الزقورة» شكلاً هرمياً مدرجاً، وتشاركت الحضارات المتعاقبة في العراق، كالسومريين والأكاديين والآشوريين والبابليين، على بناء الزقورات التي يقع معظمها في بلاد ما بين النهرين.
وقرب مدينة أور التاريخية، التي يُعتقد أنها مسقط رأس النبي إبراهيم عليه السلام، تجرى استعدادات بينها تعبيد الطرق وطلاء أرصفة بشكل لم يعتد عليه الأهالي، كما وضعت أرصفة خشبية عند برك مياه ومظلات شمسية ولوحات دلالة للمرور في الموقع.

  • «زقورة أور» من أقدم المعابد في العراق
    «زقورة أور» من أقدم المعابد في العراق

وقال مدير متحف الناصرية الحضاري عامر عبدالرزاق في بيان: «تضافرت جهود أبناء محافظة ذي قار لإظهار مدينة أور الأثرية بأبهى وأجمل صورة، استعداداً لزيارة بابا الكنيسة الكاثوليكية». 
وأضاف: «كوادر الدوائر العراقية قامت بعمل استثنائي، وبجهد ذاتي كبير ولمدة شهرين متواصلين، أثمر عن تعبيد الطريق الثاني المؤدي للمدينة بطول 17 كيلومتراً، إضافة إلى تأسيس طرق خشبية للمناطق المهمة داخل مدينة أور، وإنارة المدينة بإضاءة ليلية، وهذه الإنارة لأول مرة بتاريخ أور منذ أن كانت تنير بالمشاعل النارية قديماً». 
وأكد أن الحكومة لم ترصد أي تمويل لتأهيل المدينة، بل كانت جهوداً ذاتية من دوائر المحافظة كـ«شركة أور» وشركة «نفط ذي قار»، وبلدية الناصرية ودائرة توزيع كهرباء الناصرية وقيادة عمليات الرافدين، لافتاً إلى إنجاز الطرق والمنصة الرئيسة، ومنصة الأديان والكراسي الخاصة بإقامة القداس والخطب، وكل هذه الأمور ستعطي صورة لشرق الأرض وغربها عن أهمية مدينة أور، وأهمية هذا الوطن ودوره السياحي والديني خلال السنوات المقبلة». 
وبعد زيارة مدينة أور يوم السبت المقبل، سينتقل البابا إلى الموصل، المدينة التاريخية التي كانت مركزاً تجارياً بين الشرق والغرب، وأصبحت مسرحاً للفظائع التي ارتكبها متطرفو تنظيم «داعش» الذين أعلنوها عاصمة لـ«دولتهم» المزعومة في عام 2014.
وسيزور في اليوم ذاته قرة قوش، البلدة المسيحية التي شهدت خلال الأيام الماضية حملة إعادة تأهيل، قام خلالها رهبان بطلاء صلبان على أسطح كنائس.
وفي هذه الأثناء، وصل وفد رسمي ضم ممثلين من مراسم رئاسة الجمهورية ومكتب رئيس الوزراء ووزارة الخارجية، إلى النجف، وكان في استقباله المحافظ لؤي الياسري.
وأشار المكتب الإعلامي للياسري إلى أن «الوفد ناقش الاستعدادات الأمنية والفنية واللوجستية لاستقبال البابا في النجف».
ورحب المجلس الوطني للأديان في العراق، بقدوم البابا فرنسيس إلى العراق أرض الأديان والحضارات وأرض الأنبياء.
وباتت الكنائس في بغداد والموصل، على وجه الخصوص، تكمل استعداداتها لقدوم البابا من خلال تعليق اللافتات والقيام بزراعة الطرق المؤدية إليها وتبليط الشوارع.
وهناك تحضيرات روحية ومدنية وأمنية ستجرى مع إقامة الصلوات باللغة الإيطالية، بمشاركة أوركسترا تضم أكثر من 80 متطوعاً بزي تقليدي خاص، مع إقامة التراتيل باللغة العربية.

لائحة طلبات العراقيين
شادي صلاح الدين (لندن) 

تزايدت الآمال بشكل كبير في أن تحمل زيارة بابا الكنيسة الكاثوليكية للعراق بداية للسلام والاستقرار في البلاد، حيث يعتبر المراقبون الزيارة بمثابة دعوة للتغيير نحو الأفضل في دولة يعيش بها مزيج فريد من الديانات والأقليات.
وينتشر على مواقع التواصل الاجتماعي في العراق وسم «اطلب من البابا» قبيل زيارة البابا فرنسيس التاريخية إلى البلاد يوم الجمعة، يسعى من خلاله العراقيون في بلد تنهشه الحرب والنزاعات السياسية منذ 40 عاماً إلى لفت الأنظار لمشاكلهم.
وتحدّث العراقيون عبر موقعي «تويتر» و«فيسبوك» عن معاناتهم اليومية، مع تدهور الخدمات الصحية وتراجع الخدمات العامة والطرقات السيئة، رغم ترحيبهم بتنظيف وترميم بعض الطرقات والمواقع للمرة الأولى منذ عقود، استعداداً لاستقبال البابا. 
وكتبت ليال القدسي على «فيسبوك»: «أطلب من البابا أن يزور المستشفيات ليرى قاعات العمليات فيها، ربما يقومون بتنظيفها لهذا السبب».

ومن جهته، كتب حسين حبيب: «أطلب من البابا أن يذهب بالسيارة على الطريق السريع الذي يصل بغداد بالموصل، ربما هكذا يقومون بتصليحها». 
وردّ ناشط آخر على تلك الطلبات بالإشارة إلى أن البابا شخصية دينية، وليس سياسية. 
وأواخر عام 2019، شهد العراق انتفاضة غير مسبوقة لعدة أشهر قادها ناشطون شباب خصوصاً، احتجاجاً على الفساد في العراق وسطوة المجموعات المسلحة على السياسة وعجز السياسيين الذين لا يفون بوعودهم الانتخابية بالإصلاح. 
من جهته، لا يريد أحمد المالكي إصلاحات، بل له حلم واحد كما كتب على «تويتر»: «أطلب من البابا أخذي معه إلى الفاتيكان حتى أهرب من هنا!».
وأما رئيس أساقفة الموصل ميخائيل نجيب فأوضح لصحيفة «الإندبندنت» أن «الزيارة تعني الكثير لهذه المنطقة التي عانت كثيراً في عهد داعش وحتى قبل ذلك»، و«الرسالة الرئيسة لزيارة البابا مهمة للغاية، فالموصل ومناطق أخرى بحاجة إلى إعادة بنائها مرة أخرى، ليس فقط بالحجر بل بالروح أيضاً».
ويقول رئيس الأساقفة إنهم يحاولون تشجيع الناس على العودة إلى منازلهم في الموصل بعد سنوات من تهجيرهم منها على يد «داعش». وأضاف: «معظم الناس لا يستطيعون العودة لأنهم لا يملكون منازل لأنها دمرت أو أحرقت»، موضحاً: «نحن بحاجة لمساعدة المجتمع الدولي».