دينا محمود (لندن)

مع دخول الاحتجاجات الطلابية العارمة ضد نظام رجب طيب أردوغان في مدينة إسطنبول شهرها الثاني، تتعالى التحذيرات من أن هذه التحركات الاحتجاجية، التي أشعلها تعيين السلطات رجل أعمال مقرباً منها رئيساً لإحدى أكبر جامعات المدينة، توشك على أن تتحول إلى حركة جماهيرية واسعة، ضد الطغمة المستبدة الحاكمة في تركيا.
وفي ظل انتقال تظاهرات الطلاب وأعضاء هيئة التدريس في جامعة «البوسفور» إلى الشطر الآسيوي من إسطنبول، وتصاعد المواجهات بينهم وبين قوات الأمن، تحول المشهد في العاصمة التجارية لتركيا، إلى ما يشبه مقدمات الانتفاضة التي شهدتها المدينة عام 2013، وعُرِفَت آنذاك باسم «احتجاجات ميدان تقسيم»، وكانت شرارة اندلاعها رفض نشطاء بيئيين إزالة أشجار متنزه بالميدان، لإنشاء ثكنة عسكرية هناك.
وحذر أردوغان من أنه سيقمع أي محاولة لتمديد الاحتجاجات المستمرة منذ شهر، واصفاً الطلاب المحتجين بأنهم «أعضاء جماعات إرهابية».
وقال أردوغان: «مثلما أرسلنا الإرهابيين إلى قبورهم، سنواصل فعل الشيء نفسه في كل مكان آخر»، في إشارة إلى العمليات العسكرية ضد الأكراد في جنوب شرق البلاد.
وجاءت تصريحات أردوغان في أعقاب اعتقالات واشتباكات جماعية بين الشرطة والمتظاهرين في إسطنبول وأنقرة، عندما أطلقت الشرطة الغاز المسيل للدموع والرصاص المطاطي لتفريق مئات المتظاهرين السلميين.
واعتبر محللون أن التظاهرات الواسعة المستمرة منذ مطلع الشهر الماضي، للتنديد بتعيين مليح بولو المقرب من أردوغان رئيساً للجامعة الشهيرة، تمثل مؤشراً على تصاعد غضب الشباب التركي ضد النظام الحاكم، وفرصة لرافضي سياسات أردوغان، للتعبير عن تنديدهم بتوجهاته، التي أدت إلى تفاقم حالة عدم الاستقرار السياسي والاقتصادي في البلاد.
ونقلت صحيفتا «التايمز» و«الجارديان» البريطانيتان عن هؤلاء المحللين قولهم: «إن الجيل الجديد من الأتراك، لم ير من حكم حزب (العدالة والتنمية) لبلادهم، سوى ما شهدته السنوات القليلة الماضية، من اضطرابات داخلية وخارجية، جعلته يعاني أكثر من غيره من الضائقة الاقتصادية المتزايدة، التي أدت إلى أن يبقى قرابة 40 في المئة من الخريجين الجدد، بلا عمل».
ويشكل ذلك فشلاً ذريعاً لمحاولات أردوغان تنشئة «جيل موال» له بين الشباب التركي، في إطار محاولاته لبناء قاعدة انتخابية بين مواطنيه الذين وُلِدوا أواخر التسعينيات وأوائل القرن الحالي، ممن أصبحوا يشكلون 39 في المئة من سكان البلاد البالغ عددهم نحو 82 مليون نسمة. وتعني هذه الأرقام، أن هذه الفئة ستكون ممثلة بقرابة خمسة ملايين ناخب، في الانتخابات العامة المقبلة المقرر إجراؤها 2023. 
ويمثل ذلك تحولاً ديموغرافياً، من المتوقع أن يصب في مصلحة القوى السياسية المناوئة لحزب «العدالة والتنمية»، الذي يهيمن على السلطة في أنقرة منذ مطلع القرن الجاري، اعتماداً على دعم الناخبين ذوي التوجهات المحافظة، والشرائح الأكثر فقراً في المجتمع.
وفي تصريحات نشرتها «الجارديان»، قال جان سايتشوكي المسؤول عن مؤسسة «إستانبول إيكونوميكس ريسيرش» الاستشارية: «إن المحتجين في إسطنبول هذه المرة، يعرفون هدفهم جيداً، على عكس ما كان الحال عليه، في احتجاجات ميدان تقسيم، قبل ثماني سنوات». وشدد على أن الشباب الذين ينخرطون حالياً في مواجهات شبه يومية ضد قوات الأمن التركية في ثاني كبريات مدن البلاد، يريدون أن توفر السلطات الخدمات اللازمة لهم، ويشعرون بالغضب الشديد، جراء وصول نسبة البطالة في صفوفهم إلى 29 في المئة على الأقل. 
ويذكي ذلك من احتجاجات إسطنبول التي يتسع نطاقها بشكل مستمر، منذ أن عُين بولو رئيساً لجامعة «البوسفور»، أكثر المؤسسات الأكاديمية مكانة في تركيا، والتي تُوصف بأنها إحدى القلاع المتبقية للفكر الليبرالي في هذا البلد.
ويرى المحتجون أن اختيار رجل الأعمال الموالي للرئيس التركي لشغل هذا المنصب، يشكل محاولة حكومية سافرة للتسلل إلى إحدى آخر الجامعات ذات الفكر اليساري في البلاد، خصوصاً أن بولو هو أول رئيس للجامعة يتم اختياره من خارجها، منذ الانقلاب العسكري الذي وقع في تركيا عام 1980.
لكن ما حدث في «البوسفور» لا يشكل استثناء، فخلال السنوات الخمس التي تلت محاولة الانقلاب الأخيرة في تركيا منتصف عام 2016، شن أردوغان حرباً على الأوساط الأكاديمية التي اتهمها بمناوءة نظامه، وشمل ذلك إغلاق 12 جامعة على الأقل. كما احتكر الرئيس التركي اعتباراً من أكتوبر 2016، الحق في اختيار رؤساء الجامعات بشكل مباشر.
وتوصف احتجاجات جامعة «البوسفور» بالأكبر في تركيا منذ انتفاضة «ميدان تقسيم»، وهو ما يثير مخاوف أردوغان الذي حاول وصم المتظاهرين بأنهم إرهابيون، ويتبنون أفكاراً تتناقض مع «القيم الوطنية والروحية» لتركيا.

واشنطن: نراقب المظاهرات وأولويتنا حماية حقوق الإنسان
ذكرت وزارة الخارجية الأميركية، أمس، أن الولايات المتحدة تراقب عن كثب المظاهرات السلمية التي تشهدها تركيا، احتجاجاً على تعيين رئيس جديد لإحدى أبرز جامعات إسطنبول من جانب الرئيس التركي رجب طيب أردوغان. وقالت الخارجية في بيان: «نشعر بالقلق إزاء اعتقال الطلاب وغيرهم من المتظاهرين». وتابعت: «تعتمد المجتمعات المسالمة والمزدهرة والشاملة على التدفق الحر للمعلومات والأفكار».
وقالت: «تعطي واشنطن الأولوية لحماية حقوق الإنسان، وتقف مع الذين يناضلون من أجل حرياتهم الديمقراطية الأساسية».
وقال مكتب محافظ إسطنبول: «إن 29 شخصاً ما يزالون رهن الاحتجاز، بينما أُفرج عن 65 بعد احتجاجات يوم الثلاثاء».