دينا محمود (لندن)

على أوروبا توخي الحذر من تصريحات التهدئة التي أدلى بها الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، حول ضرورة فتح صفحة جديدة بين الجانبين، وانفتاحه الظاهري على محاولات رأب الصدع المتزايد بينهما، وإعرابه عن استعداده للتفاوض مع بعض دول القارة، بشأن القضايا العالقة. تحذيرٌ شديد اللهجة وجهته صحيفة «التايمز» البريطانية لقادة الاتحاد الأوروبي، في أعقاب إعلان أردوغان أن نظامه يرغب في «إعادة علاقاته مع الاتحاد إلى مسارها وفق رؤية طويلة الأمد، وأن هناك إمكانية لتحويل 2021 إلى عام للنجاحات في العلاقات التركية الأوروبية»، التي بلغت أدنى مستوياتها على الإطلاق. 
فالتصريحات الأخيرة لم تنبع من رغبة صادقة من جانب أردوغان، في تسوية خلافاته المتفاقمة مع الكتلة الأوروبية «على مدار خمس سنوات كاملة من الأزمات والإهانات»، وإنما اضُطرَ إليها الرئيس التركي المستبد، بعد أن تصاعدت تهديدات الاتحاد الأوروبي بفرض عقوبات ضد نظامه، الذي يعاني من عزلة إقليمية ودولية، ويواجه أزمات داخلية متفاقمة، على رأسها العاصفة التي تجتاح الاقتصاد المحلي منذ نحو عامين.
وعزت الصحيفة تلك الأزمة إلى «سنوات من سوء إدارة مختلف الملفات المتعلقة بالاقتصاد التركي، وهو ما قاد إلى حدوث أزمة مالية خانقة، أفضت بدورها إلى ارتفاع معدلات التضخم، وانخفاض مستويات الاستثمار الأجنبي، وتفاقم مشكلة البطالة» في البلاد. وتزايدت حدة الأزمة في نوفمبر الماضي، إلى حد أجبر براءات البيرق، صهر أردوغان، على الاستقالة من منصبه كوزير للخزانة والمالية، بعدما تدنت شعبيته بشدة لدى المستثمرين. وأعقب ذلك اتخاذ المصرف المركزي قراراً، برفع سعر الفائدة، بعد سنوات من معارضة أردوغان للإقدام على خطوة مثل هذه. ورغم أن هذا الإجراء أدى إلى رفع قيمة الليرة التركية بشكل طفيف، فإن ذلك لم يكن كافياً لـ«معالجة المشكلات الاقتصادية المتجذرة». 
وبالتوازي مع الأزمة الاقتصادية والمالية، التي أجبرت أردوغان على محاولة تهدئة التوترات مع الاتحاد الأوروبي، مُني الرئيس التركي خلال الشهور القليلة الماضية، بانتكاسات مدوية على الصعيد الخارجي، إذ «خسر أحد أقوى حلفائه داخل التكتل الأوروبي، إثر خروج بريطانيا رسمياً منه، كما أن فوز جو بايدن بالانتخابات الرئاسية الأميركية، يُنذر باتخاذ موقف أكثر صرامة تجاه تركيا في البيت الأبيض».
واقتراب تولي بايدن لمنصبه سيغير الموقف الأميركي المتساهل الذي تبناه الرئيس المنتهية ولايته دونالد ترامب تجاه الرئيس التركي، وهو ما دفع الأخير وكبار معاونيه، وفقاً لـ«التايمز»، إلى «مفاتحة المسؤولين الأوروبيين بشأن فتح صفحة جديدة بين الجانبين، من خلال استئناف الحوار رفيع المستوى بينهما»، كما جاء خلال اجتماع عبر الفيديو، عُقِدَ بين الرئيس التركي ورئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين.
وأعقب ذلك دعوة وزير الخارجية التركي مولود تشاووش أوغلو لليونان، لإجراء محادثات بشأن الملفات الخلافية، وعلى رأسها عمليات التنقيب غير القانونية، التي تنخرط فيها سفن تركية قبالة السواحل اليونانية والقبرصية في منطقة شرق المتوسط. ويستبعد محللون غربيون أن تؤدي التصريحات التركية الأخيرة، إلى إذابة الجليد المتراكم بين نظام أردوغان والاتحاد الأوروبي، خاصة بعد أن فشلت المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل من قبل في لعب دور وساطة في هذا الصدد. وأشار المحللون إلى أن عمق الخلافات القائمة بين أنقرة وبروكسل، يتجسد في استمرار جمود المفاوضات الرامية لضم تركيا إلى الاتحاد الأوروبي منذ سنوات طويلة.