دينا محمود (لندن)

في الوقت الذي أعلن فيه عشرات الآلاف من أنصار الرئيس الأميركي الجمهوري المنتهية ولايته دونالد ترامب اعتزامهم إقامة «مراسم تنصيب غير رسمية له، لإعلان فوزه بولاية ثانية» رغم خسارته الانتخابات الأخيرة، يبدو استكمال تشكيل إدارة الرئيس الديمقراطي المنتخب جو بايدن، رهنا بحسم جولتيْ الإعادة في ولاية جورجيا، على المقعديْن المتبقييْن في مجلس الشيوخ، واللذين سيحددان هوية الحزب المُسيطر على المجلس.
فبالتزامن مع إصرار ترامب على الإحجام عن الإقرار بالخسارة في السباق الرئاسي الذي أُجري مطلع نوفمبر الماضي، أعلن أكثر من 64 ألفاً من مؤيديه، أنهم سيقيمون «حفل تنصيب» له في اليوم نفسه الذي ستستضيف فيه واشنطن 20 يناير، المراسم المعتادة التي سيؤدي خلالها بايدن اليمين الدستورية، إيذاناً بتوليه منصبه رئيساً للولايات المتحدة.
ومن المرجح أن يُجرى «حفل تنصيب ترامب» الغريب من نوعه على شبكة الإنترنت، إذ تتولى تنظيمه مجموعة على موقع «فيسبوك»، يبلغ عدد المشاركين فيها حتى الآن، ما يزيد على 320 ألف شخص، لا يزالون يرفضون الاعتراف بهزيمة الرئيس الجمهوري، رغم تأكيد المجمع الانتخابي ذلك، خلال اجتماع عقده في الرابع عشر من هذا الشهر.

ورغم أن عدداً متزايداً من الأنصار المتحمسين لترامب، حثوه على القبول بقرار المجمع الانتخابي الأخير، لا يزال الرئيس الجمهوري يدلي بتصريحات ملتبسة في هذا الشأن. كما أنه دعا مؤخراً إلى تنظيم «تجمع احتجاجي حاشد» في واشنطن في السادس من الشهر المقبل، بالتزامن مع اجتماع مقرر للكونجرس، لتأكيد انتخاب بايدن رسمياً. ونقلت صحيفة «دَيلي إكسبريس» البريطانية عن ترامب قوله في تغريدة على حسابه على «تويتر»، أنه «من المستحيل إحصائياً أن يخسر المرء انتخابات الرئاسة»، متوعداً بتنظيم احتجاج «جامح» على نتائج العملية الانتخابية.
من جهة ثانية، أكد أعضاء بارزون في مجلس الشيوخ الأميركي أن عقد جلسات الاستماع للشخصيات المرشحة للانضمام للإدارة الديمقراطية المقبلة، سيتأخر على الأرجح، حتى تُحسم التركيبة النهائية للمجلس، بعد انتهاء جولتيْ الإعادة المقررتيْن في جورجيا، في الخامس من الشهر المقبل.
وفي تصريحات نشرتها صحيفة «بوليتيكو» الأميركية، قال السناتور الجمهوري ريتشارد بر، إن الوضع الراهن يجعل إجراء مثل هذه الجلسات «محل نقاش»، حتى تتضح هوية الحزب الذي سيسيطر على المجلس، وهو ما يتطلب انتظار حسم مقعديْ جورجيا. وأشار إلى أن عدم قدرة أعضاء «الشيوخ» على تشكيل اللجان المنضوية تحت لوائه بحلول الثامن من يناير على الأكثر، سيجعل من الصعب للغاية، تحقيق أي تقدم على صعيد المصادقة على ترشيحات بايدن، لشاغلي المناصب الرئيسة في إدارته، وفي مقدمتهم المرشحون لتولي وزارات الخارجية والدفاع والأمن الداخلي. 
وعلى الرغم من أن زعيم الأغلبية الجمهورية الحالية في مجلس الشيوخ ميتش ماكونيل، قال إن مرشحي بايدن لتلك المناصب، سيحصلون غالبا على دعم أعضاء المجلس في نهاية المطاف، فإن محللين أميركيين أكدوا أن سرعة حدوث ذلك، ستزيد إذا أسفرت جولتا جورجيا عن استحواذ الديمقراطيين على أكثرية المقاعد.
من جهته، دعا زعيم الأقلية الديمقراطية حالياً في مجلس الشيوخ تشاك شومر، إلى أن تستعد لجان المجلس للانعقاد فور انتهاء انتخابات جورجيا أياً كانت نتائجها، وذلك كي يتسنى للمرشحين للانضمام لإدارة بايدن المثول أمامها. ونقلت «بوليتيكو» عن مراقبين قولهم إن التأخر في تأكيد ترشيحات كبار معاوني الرئيس الديمقراطي، قد يجعله غير قادر على التعامل بالسرعة التي يرغب فيها، مع ملفات مثل مواجهة وباء «كورونا» ومعالجة الوضع الاقتصادي في البلاد.

وتفيد النتائج غير النهائية لانتخابات الكونجرس، أن الديمقراطيين خسروا جانباً من الأغلبية، التي كانوا يتمتعون بها في مجلس النواب، ليتقلص تقدمهم فيه إلى 13 مقعداً لا أكثر. أما مجلس الشيوخ، فقد يخضع لسيطرة الجمهوريين، إذا فاز مرشحاً الحزب في جولتيْ الإعادة، في جورجيا. وقال محللون لصحيفة «وول ستريت جورنال» واسعة الانتشار، إنه في ضوء «لعبة الأرقام» المرتبطة بتركيبة الكونجرس، لا يملك الرئيس المنتخب، رفاهية الحكم منفردا، دون أن يسعى جاهداً إلى التوصل إلى صيغٍ متوافق عليها بين الجمهوريين والديمقراطيين، حيال الملفات الرئيسة على الساحة الداخلية. وأشار هؤلاء إلى أن الوضع السياسي الحالي يختلف كثيرا، عما كان عليه عندما تسلم رؤساء مثل رونالد ريجان وبيل كلينتون أو باراك أوباما، الحكم. فريجان دخل البيت الأبيض عام 1981، ولدى حزبه ستة مقاعد إضافية في مجلس الشيوخ، وخلفه تحالف من الديمقراطيين المحافظين، الذين منحوه «أغلبية عاملة» في مجلس النواب. أما كلينتون، فقد كان الديمقراطيون يتمتعون حينما تولى الرئاسة عام 1993، بأغلبية تصل إلى 83 مقعداً في مجلس النواب، و14 مقعداً أخرى في مجلس الشيوخ. والصورة لم تختلف تقريبا، مع وصول أوباما إلى المكتب البيضاوي في 2009، فحينها كانت الغالبية الديمقراطية في «النواب» تصل إلى 79 مقعداً، ولا تقل في «الشيوخ» عن 18 مقعداً أخرى. 
ونظراً إلى أن بايدن يفتقر إلى ذلك، فمن الواجب عليه - كما يقول المحللون - إدراك أن السبيل الوحيد المتاح أمامه للحكم على نحو فعال، يتمثل في بذل قصارى جهده لبلورة شراكة بين الديمقراطيين والجمهوريين، خاصة أن القوة المعنوية التي يحظى بها منصبه كرئيس، تسمح له بذلك. وبرأي هؤلاء، يستطيع الرئيس دائماً تجاوز قادة الكونجرس، وقيادات الحزبين الكبيرين، لتشكيل الرأي العام في البلاد مباشرة، ما يعني أن بوسع بايدن ممارسة ضغوط على الجانبين الديمقراطي والجمهوري، لدفعهما للتعاون معا والتوصل إلى حلول وسط، خاصة عندما ينقسم الكونجرس بالتساوي تقريباً بين الحزبين، كما بات من المتوقع أن يحدث حتى موعد الانتخابات النصفية المقبلة، بعد عامين.