شادي صلاح الدين، دينا محمود (لندن)

دعا وزير الدفاع الأميركي السابق، روبرت جيتس، أمس، الرئيس المنتخب جو بايدن إلى زيادة الضغط على تركيا، مشيداً في الوقت نفسه بالعقوبات التي فرضتها إدارة الرئيس دونالد ترامب على أنقرة بسبب شراء وتفعيل نظام الدفاع الصاروخي الروسي «إس-400». وقال في مقال نُشر في صحيفة «نيويورك تايمز» ونقله موقع «ميدل إيست آي» في لندن: «إن العقوبات كانت بداية جيدة، لكن يجب على بايدن أن يذهب أبعد من ذلك، بل ويفكر في اتخاذ خطوات لعزل تركيا عن الدول الأخرى في حلف شمال الأطلسي (الناتو)».
وكتب جيتس: «شراء تركيا نظام الدفاع الجوي الروسي إس -400 ضد التحذيرات الأميركية المتكررة يجب أن يكون له تكاليف.. العقوبات المفروضة مؤخراً هي بداية جيدة». وأشار إلى أنه رغم عدم وجود نص في ميثاق «الناتو» لإزالة دولة عضو من الحلف، إلا أن الدبلوماسية الإبداعية ممكنة، بما في ذلك تعليق العضوية أو خطوات عقابية أخرى. وانتقد جيتس، تصرفات تركيا في ليبيا وسوريا وشرق البحر المتوسط، حيث قال إن أنقرة تتصرف ضد مصالح أعضاء حلف شمال الأطلسي الأخرى، وقال: «تحتاج الولايات المتحدة إلى أخذ زمام المبادرة في حلف الناتو، وهو تحالف الديمقراطيات، لاستنباط عواقب للدول الأعضاء مثل تركيا والمجر، وبولندا بشكل متزايد التي تتحرك نحو أو تبنت بالكامل سياسة مستبدة».
ونشر جيتس المقال بعد أن تعهد وزير الخارجية التركي مولود جاويش أوغلو باتخاذ إجراءات متبادلة ضد الولايات المتحدة لفرضها عقوبات. وقال وزير الخارجية التركي، إنه لا يزال هناك مجال لتحسين العلاقات، لكنها تتوقف على عدد من العوامل، بما في ذلك تسليم المعارض التركي المقيم في الولايات المتحدة فتح الله جولن، الذي تتهمه أنقرة بتدبير محاولة الانقلاب عام 2016، واستمرار واشنطن في دعم وحدات حماية الشعب الكردية في شمال سوريا.
وتحركت واشنطن بشكل نشط مؤخراً ضد أنقرة وفرضت عقوبات تشمل حظر تراخيص وتصاريح صادرات السلاح الأميركية لتركيا، فضلاً عن تجميد الأصول الخاصة برئيس إدارة الصناعات الدفاعية التركية إسماعيل دمير، ومسؤولين آخرين. وجاءت دعوة جيتس في إطار الموافقة الجماعية في دوائر صناعة القرار الأميركي بتبني موقف متشدد وأكثر صرامة ضد أنقرة قبل أسابيع من مغادرة ترامب وتسلم بايدن الحكم. ويراه البعض تسهيلاً لمهمة الأخير، الذي لم يخف انتقاداته لأدوار تركيا الإقليمية خاصة في سوريا، كما سبق له أن انتقد الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، وتحدث عن ضرورة تغيير واشنطن لنهجها تجاه حاكم تركيا، كما انتقد احتفاظ أميركا بأسلحة نووية في تركيا.
بالتوازي، أكد محللون غربيون ضرورة أن يستخلص بايدن أهم دروس فترة ما يعرف باسم «الربيع العربي»، وعلى رأسها فشل الجماعات الإرهابية والمتطرفة، في خوض غمار العمل السياسي، ونهمها الوحشي للسلطة والاستحواذ على الحكم. وقال هؤلاء مع حلول الذكرى العاشرة: «إن وقائع تلك الحقبة الفوضوية، التي أخطأ البعض وأطلق عليها في البداية اسم الربيع العربي، أثبتت أن جماعات متطرفة مثل (الإخوان)، لا تتقن سوى محاولات الهيمنة على مؤسسات الدولة وزرع أنصارها فيها، وإقصاء المخالفين لها في الرأي عن المشهد تماماً».
وقال المحللون في تصريحات نشرتها صحيفة «فايننشال تايمز» البريطانية، «إن على بايدن إدراك أن الاضطرابات التي بدأت في تونس وانتشرت بعد ذلك في أكثر من دولة عربية، أدت إلى خروج التنظيمات المتشددة التي تتستر بالدين مثل (الإخوان) من حالة الموت السياسي التي كانت تعاني منها، وبدلا من أن تختار تلك الجماعات المارقة، أن تحكم بشكل متوازن وعادل، آثرت استعمار المؤسسات، كما حدث في مصر، وإبعاد كل من لا ينتمي إليها». وأضاف هؤلاء أن هذا النموذج تكرر كذلك في تركيا، مع حزب العدالة والتنمية الذي يقوده أردوغان والذي أصبح في نهاية المطاف، معقلاً للأفكار التوسعية التي يطلق عليها اسم «العثمانية الجديدة».
وحذر مسؤولون سابقون رفيعو المستوى في إدارة ترامب، من خطورة أي محاولة من جانب الرئيس المنتخب، للتعامل مع ملف السياسة الخارجية، بالطريقة نفسها التي تبنتها إدارة الرئيس الديمقراطي السابق باراك أوباما. وأشار هؤلاء إلى أن «العودة لتوجهات أوباما على هذا الصعيد، ستشكل خطأ فادحا، يُعرّض الأمن القومي الأميركي للخطر، ويمثل تهديداً للعالم بأسره كذلك، في ضوء أن تلك التوجهات سبق أن مُنيت في عهد الرئيس الديمقراطي السابق بفشل ذريع، أضعف قوة الولايات المتحدة وتأثيرها على الساحة الدولية».
وفي تصريح نقله الموقع الإلكتروني لشبكة «فوكس نيوز» التلفزيونية الأميركية، نبه فريدريك فلايتز، الذي شغل منصب السكرتير التنفيذي لمجلس الأمن القومي لعدة شهور، من أن الشخصيات التي وقع عليها اختيار بايدن لتشكيل فريق معاونيه تبدو باهتة، لاسيما للخارجية أو للأمن القومي، أو تمثيل أميركا لدى الأمم المتحدة، وقيادة وزارة الأمن الداخلي، ورئاسة المخابرات الوطنية، وقال إن هذا النوع من الاختيارات يوحي بافتقار بايدن لأي أفكار جوهرية على صعيد قضايا الأمن القومي. وأشار إلى أن عواقب خطوة مثل هذه، ستكون وخيمة، محذراً من أي نهج متهور قد يتبعه بايدن على صعيد السياسة الخارجية.