روث دوثات*
 
«كزافييه بيسيرا» الذي اختاره بايدن وزيراً للصحة، تكمن خبرته في معارك قانونية مع ترامب حول «أوباماكير»، وليس في السياسة الصحية أو الطب نفسه

من نواح كثيرة، سيدخل جو بايدن الرئاسة في وضع يحسد عليه سياسياً. فوصول لقاح الفيروس التاجي يعني أنه بعد الترشح كمرشح يسعى لعودة الحياة الطبيعية، هو الآن على وشك أن يترأس عودتها بالمعنى الحرفي، وهي عودة قد لا تشمل الانتعاش الاقتصادي فحسب، بل تشمل أيضاً فترة من الحيوية الشخصية، أي العودة أخيراً إلى المطاعم والمتنزهات والاستمتاع بالإجازات.. والتي ستضفي شعوراً بمزيد من البهجة، مقارنةً بما حدث في فترة ما بعد الأزمة المالية في عهد باراك أوباما قبل 12 عاماً.
وفي الوقت نفسه، فإن حقيقة أن بايدن لم يقد حزبه إلى نجاح ساحق ستمنحه مزايا سياسية معينة. لن يُسمح له بإعادة إحياء «الصفقة الجديدة» أو «المجتمع العظيم» (مجموعة من البرامج المحلية أطلقها الرئيس «الديمقراطي» ليندون جونسون عامي 1964-1965)، لكن أيضاً لن يتم توريطه في كوارث أيديولوجية مثل جهود الرعاية الصحية الفاشلة لبيل كلينتون، أو حتى محاولة دونالد ترامب الفاشلة أيضاً لإلغاء برنامج «أوباماكير». إن وجود «جو مانشين» و«سوزان كولينز» كأقوى شخصيتين في مجلس الشيوخ، لن يكون مفيداً للأهداف السياسية للتقدمية، لكنه قد يكون مفيداً جداً لشعبية بايدن، مما يمكنه من رسم مسار معتدل، بينما يقول لليسار: «آسف، يديّ مقيدتان».
وفي أفضل السيناريوهات بالنسبة لبايدن، يمكن أن تؤدي رواية ترامب عن تزوير الانتخابات إلى إعادة إحياء حركة «حفل الشاي» في اليمين، حيث نجحت الشخصيات الهامشية والموالون لترامب في معارضة شخصيات الحزب الجمهوري الراسخة، ولكن «بدون» اقتصاد البطالة ومعركة «أوباماكير» التي مكّنت جمهوريي «حزب الشاي» من السيطرة على مجلس النواب في عام 2010. وبدلاً من ذلك، يقوم حزب جمهوري متشدد بحملة انتخابية يُفترض أنها مسروقة، بينما يمكن لـ«الديمقراطيين» الذين تستند حملتهم إلى تحقيق الازدهار والأوضاع الطبيعية تهيئة سيناريو نادر لانتخابات التجديد النصفي، حيث يحصل حزب الرئيس الحالي في الواقع على مقاعد.
إذا كنتَ تريد أن تعرف كيف يمكن لإدارة بايدن أن تفسد هذه الفرصة، ما عليك سوى أن تنظر إلى اختياره لمن سيشغل منصب وزير الصحة والخدمات الإنسانية، «كزافييه بيسيرا». من غير المرجح أن يحظى أي كيان وزاري بمكانة بارزة مثل وزارة الصحة والخدمات الإنسانية خلال السنة الأولى من رئاسة بايدن، بالنظر إلى طرح اللقاح القادم والتراجع البطيء عن قيود الصحة العامة. وبالنسبة للحملة التي ركزت كثيراً على فكرة أن الخبرة غير المكترثة والعلم يجب أن يقودا الاستجابة لفيروس كورونا، فإن بيسيرا يعد خياراً غريباً: فهو سياسي حزبي من ولاية «ديمقراطية» عميقة، تكمن خبرته في الرعاية الصحية في الغالب في معارك قانونية مع البيت الأبيض برئاسة ترامب بشأن أوباماكير، وليس في السياسة الصحية أو الطب نفسه.
غالباً ما يكون أعضاء مجلس الوزراء من الشخصيات غير البارزة في الحزب، لكن يمكن الاعتماد على ولائهم، مع أنه حتى ترامب اختار طبيباً ثم مديراً تنفيذياً لشركة أدوية ليرأس وزارة الصحة، ومن الغريب بشكل خاص اختيار شخصية حزبية في الوقت الذي حثت فيه العديد من المجموعات الطبية إدارة بايدن على رفع شأن الأطباء وغيرهم من الخبراء المعترف بهم لقيادة سياسة عصر الوباء.
ومع ذلك، فالأمر أقل غرابة، إذا كنت تتوقع استخدام وكالات مجلس الوزراء بالطريقة التي استخدمها البيت الأبيض في عهد أوباما، خاصة خلال فترته الثانية، كأدوات عدوانية في صنع السياسات الحزبية. في عهد أوباما، شملت هذه الاستراتيجية كل شيء، بدءاً من محاولات العفو عن الهجرة والأوامر التنفيذية للسيطرة على الأسلحة، إلى تدخلات وزارة التعليم في سياسات الاعتداء الجنسي بالكليات وأنظمة دورات المياه بالمدرسة.
كان من المحتم أن تلتقط إدارة بايدن بعض هذه الخيوط. لكن بيسيرا يكون الخيار إذا كنت تنوي متابعة الكثير منها، حيث تكمن مؤهلاته، كمحارب حزبي في قضايا مثل الأسلحة والهجرة، وكمتشدد في مجال حقوق الإجهاض.
الآن معظم الأميركيين ليسوا محافظين اجتماعيين، وسيحصل بيسيرا على دعم إعلامي و«ديمقراطي» في العديد من المعارك التي قد يختارها. لكن بايدن فاز بالرئاسة جزئياً لأنه كان أكثر شعبية من حزبه، وتسخير بيروقراطيته بقوة لتحقيق غايات ليبرالية، سيكون أسهل طريقة له لتبديد بعض هذه الميزة.
من أعظم نقاط قوة بايدن كسياسي في عصر الاستقطاب، أنه يتذكر الوقت الذي قادت فيه الليبرالية الأيديولوجية «الديمقراطيين» إلى هزائم انتخابية كاسحة. وبيسيرا لديه خلفية مختلفة تماماً: فهو قادم من كاليفورنيا، وهي ولاية أعطت فيها التركيبة السكانية والمعارضة البائسة للديمقراطيين أغلبية شبه دائمة، مما يعني أن قادتهم لديهم القليل من الحوافز للتنازل عنها أو طمأنة الناخبين ذوي الميول اليمينية، وخبرة قليلة حتى في محاولة هذا العمل الفذ.
لكن ترشيح بيسيرا هو علامة مبكرة على كيف يمكن التخلي عن المصالحة التي أدت إلى نجاح لبايدن في الحملة الانتخابية والتخلي عن فرصة سياسية كبيرة.


*محلل سياسي محافظ أميركي
ينشر بترتيب خاص مع خدمة «نيويورك تايمز»