دينا محمود (لندن)

بعد أكثر من ثلاثة أعوام ونصف من استعادة الحكومة العراقية السيطرة على مدينة الموصل من يد تنظيم «داعش» الإرهابي، لا تزال خطى ثاني أكبر مدن البلاد متعثرة نحو العودة إلى حياتها الطبيعية، بفعل نقص التمويل الحكومي من جهة، وتضارب الاختصاصات بين الجهات المختلفة المسؤولة عن إعادة الإعمار من جهة أخرى، وذلك في ظل عودة العمليات الإرهابية للتصاعد في مناطق متاخمة للمدينة. وشكَّل تأخر إتمام عملية إعادة البناء، أحد الأسباب الرئيسة على ما يبدو، في تغيير محافظ نينوى، التي تشكل الموصل عاصمة لها، ثلاث مرات منذ دحر إرهابيي «داعش»، في منتصف 2017 وتفكيك خلافتهم المزعومة، التي أعلنوها من قلب هذه المدينة في يونيو 2014.
فبالرغم من إحراز السلطات العراقية تقدماً على صعيد تنفيذ مشروعات البنية التحتية الأكبر حجماً وإعادة الخدمات الأساسية إلى الموصل، فلا تزال هذه المشاريع وغيرها غير مكتملة، بفعل الافتقار لسلطة مركزية تتولى تنسيق جهود إعادة الإعمار، بين تلك الشبكة المعقدة من الكيانات والجهات التي تشارك فيها، وتشمل الحكومة المركزية والسلطات المحلية، والمنظمات الدولية ووكالات الإغاثة.
وأدى هذا التضارب، بحسب تقرير نشره موقع «كريستيان ساينس مونيتور» الإلكتروني، إلى إشاعة المزيد من الفوضى في المدينة العراقية، التي تواجه كذلك مثلها مثل باقي مدن البلاد، تحدي وباء كورونا، ما أدى إلى أن تستخدم السلطات الأموال التي كان البنك الدولي قد خصصها في السابق لإعادة الإعمار، لمواجهة تبعات الوباء، في ظل تراجع إيرادات الدولة، بفعل انخفاض أسعار النفط.
ويتزامن ذلك، كما يقول الموقع، مع شعور القاطنين في الموصل بالريبة حيال الحكومة في بغداد وتوجهاتها وسياساتها، واشتباههم في أن المسؤولين المحليين فاسدون للغاية، بما لا يجعل بوسع السكان تلقي العون الضروري لهم.
وفي الآونة الأخيرة، طلب نحو 16 ألفاً من سكان الموصل، الحصول على مساعدات نقدية حكومية، لكن لم يحصل عليها منهم سوى قرابة ألفين فحسب. وفي تصريحات نشرها «كريستيان ساينس مونيتور»، قال قائمقام قضاء الموصل زهير الأعرجي: «لا يوجد مال لدى السلطات الحكومية، على السكان إعادة البناء بأنفسهم».
ومن بين من اضطروا للقيام بذلك، رجل يُدعى عمار، أنفق كل مدخراته لإعادة إطلاق مشروع لبيع الصابون كان يديره سابقا. ويعرب عمار بدوره عن شكوكه في السلطات المحلية قائلاً: «مهما كانت الأموال المقدمة للسلطات، فسوف يسرقونها». وسارت على الدرب نفسه، «عنان» وهي زوجة وأم لطفلين، أعادت وزوجها بعناء شديد، بناء منزلهما بنفسيهما تقريبا.
غير أن الأموال التي ادخرها الزوج على مدار السنوات الثلاث الماضية، لم تكف إلا لبناء جدران المنزل الذي دمره القتال، لذا اضطرت الزوجة للحصول على أموال من والدها، بل والاقتراض لتشييد السقف.
أما الطلاء الأصفر الزاهي الذي يكسو منزل عنان، فقد تبرع بتكاليفه أحد الأقارب، ما جعل هذا المكان يبدو «رمزاً متألقاً للصمود»، في وسط مدينة لا تزال بنظر الكثيرين «مرادفة لعهد الإرهاب الذي أشاعه تنظيم داعش في العراق وسوريا.
لكن مناطق أخرى في الموصل لا تكتسي حتى الآن بالتألق نفسه، فلا تزال مشاهد الخراب التي أحدثها مسلحو التنظيم الدموي في بعض الأنحاء قائمة، في ظل تقديرات كشفت عنها الأمم المتحدة، تفيد بأن القتال الذي أدى في نهاية المطاف إلى طرد «داعش»، أدى إلى تدمير أكثر من 8 آلاف منزل، كما أسفرت المعارك التي استمرت نحو 9 شهور، عن مقتل 9 آلاف شخص على الأقل.
المفارقة أن عودة الحياة ببطء إلى شوارع الموصل، كما يبدو الآن واضحاً في تزايد الحركة في المتاجر والمطاعم، يتزامن مع تصاعد نشاط «داعش»، في مناطق متنازع عليها في شمال العراق، بين الحكومة المركزية في بغداد والسلطات في إقليم كردستان. كما لا تزال ذكريات الجرائم الوحشية التي ارتكبها إرهابيو التنظيم تطارد سكان الموصل، الذين لم ينسَ الكثيرون منهم بعد، تحويل «داعش» ساحات المدينة لقطع رؤوس من انتهكوا القوانين الهمجية التي تم فرضها في المدينة، طيلة السنوات التي خرجت فيها عن سلطة الحكومة العراقية.