دينا محمود (لندن)

دعت مصادر إعلامية أميركية رئيس الوزراء العراقي مصطفى الكاظمي إلى تبني استراتيجية أكثر شمولاً في مواجهته للميليشيات المسلحة، التي يقوض استمرار نشاطها التخريبي، أي محاولات لإرساء الاستقرار في البلاد.
وأكدت المصادر ضرورة أن يكون لاستراتيجية الكاظمي في هذا الشأن، شق اقتصادي يتوازى مع شقها السياسي، بهدف تقليص قدرة تلك الميليشيات، على الحصول على أموال تتيح لها الفرصة لتسليح نفسها وتجنيد مزيد من العناصر للانضواء تحت لوائها، وشن هجمات مسلحة أيضاً.
ونقلت مجلة «ذا ناشيونال إنترست» الأميركية، عن هذه المصادر تأكيدها على أن نجاح جهود الكاظمي في الإمساك بزمام الأمور في البلاد بشكل كامل وكبح جماح الميليشيات المسلحة المرتبطة بجهات خارجية، يتطلب منه توسيع نطاق مواجهته لتلك المجموعات المارقة، بحيث لا تقتصر على «عزلها سياسياً، وإنما تشمل تفعيل تدابير للحصار الاقتصادي لها، بما يفضي إلى تقليم أظافرها بشكل فعال».
فحتى الآن، تتمثل استراتيجية رئيس الوزراء العراقي للتعامل مع ملف الميليشيات في «اتخاذ خطوات تدريجية، تستهدف تقليص قدراتها وشعبيتها، عبر تشكيل تحالف يضم الأطراف الفاعلة المُمَثلة لمختلف ألوان الطيف السياسي والديني في العراق، وصولاً لتكوين جبهة عابرة للطوائف ضدها».
وتمثل هذه الجبهة، وفقاً لتقرير المجلة الأميركية، دعما للمتظاهرين العراقيين الرافضين لهيمنة الميليشيات، ممن أطلقوا حراكاً جماهيرياً غير مسبوق في أكتوبر من العام الماضي، ضد تدني مستويات المعيشة وتفاقم معدلات البطالة، وتفشي الفساد والنزعات الطائفية، وفشل الحكومات المتعاقبة منذ عام 2003، في علاج الأزمات التي يعاني منها العراق.
لكن التقرير أشار إلى أهمية أن تراعي استراتيجية الكاظمي أيضاً استغلال تلك الميليشيات «للثغرات القائمة في المجال الاقتصادي، خاصة في المناطق التي انتزعتها الحكومة العراقية من يد تنظيم داعش الإرهابي، ما أفسح المجال لتلك المجموعات المسلحة، لرشوة المسؤولين المحليين في هذه المدن والبلدات، وإقامة شكل من أشكال الاقتصاد غير الرسمي هناك، مقابل توفير الحماية لهم».
وأوضح التقرير أن «الافتقار للرقابة المركزية الحكومية في المحافظات العراقية، بجانب تدني الرواتب التي يحصل عليها المسؤولون هناك، أديا إلى جعل إقامتهم لهذه العلاقات المشبوهة مع الميلشيات أمراً أكثر إغواءً لهم، بما منح مسلحيها الفرصة مثلاً للسيطرة على طرق تهريب النفط إلى الدول المجاورة، دون تدخل يُذكر من سلطات الحدود في كثير من الأحيان». فضلاً عن ذلك، تضع الميليشيات نقاط تفتيش على الطرق في بعض المناطق، لتحصيل رسوم من العابرين عليها، بل إن الأمر بلغ وفقاً لبعض التقارير، حد فرض رسوم جمركية على البضائع المنقولة بين الأراضي الخاضعة لسيطرة الحكومة المركزية في بغداد وإقليم كردستان العراق، بالإضافة إلى تهرب المجموعات المسلحة نفسها من دفع ضرائب على البضائع الواردة لها من الخارج. وأشارت «ذا ناشيونال إنترست» إلى أن «الاقتصاد غير الرسمي الذي تسيطر عليه الميليشيات في مناطق حيوية من العراق، يجعلها أشبه بعصابات المافيا، ويفسح لها المجال للاستيلاء على جانب كبير من عائدات النفط بدلاً من أن تصل إلى خزينة الدولة، وهو ما يُضاف إليه انغماس عناصرها في أنشطة غير مشروعة من قبيل التهريب والابتزاز». وحذر تقرير المجلة من أن قدرة تلك الميليشيات على الإبقاء «على شريان حياة اقتصادي من هذا النوع، أدى إلى ترسيخها لأقدامها وتحولها إلى شبه دولة داخل العراق، لا مجرد تشكيلات مسلحة، وهو ما يوجب على الكاظمي إدراك أن العزل الاقتصادي للميليشيات، يجب أن يمضي جنباً إلى جنب مع مواصلته السعي لحرمانها من أي غطاء سياسي، بهدف تفتيت قاعدتها ونزع مخالبها، على أمل أن يفضي ذلك إلى تكبيدها خسائر واسعة النطاق في الانتخابات المقبلة في البلاد».