شعبان بلال، أحمد مراد (القاهرة)

دفعت الأوضاع الاقتصادية المتدهورة في تركيا أبرزها خسارة الليرة التركية 30% من قيمتها إزاء الدولار منذ بداية هذا العام، إلى عدد من الإقالات والاستقالات المفاجأة طالت كبار المسؤولين عن الوضع الاقتصادي في تركيا، على رأسها إقالة حاكم المصرف المركزي مراد أويصال، ثم استقالة وزير المالية بيرات البيرق صهر الرئيس التركي رجب طيب أردوغان.
وفسر خبراء هذه الاستقالات بأسباب عدة، أولها الأوضاع الاقتصادية المتدهورة التي بدأت منذ عامين، وزادت خلال الأشهر الأخيرة، وأخرى سياسية بسبب وجود شبهات حول اختراق العقوبات المفروضة على تركيا مع رغبة أردوغان في تغيير الوجوه الاقتصادية بأخرى جديدة للتعامل مع الإدارة الأميركية الجديدة.
يافوز آجار، الباحث السياسي التركي، قال إن استقالة وزير المالية أثارت ضجة كبيرة في الأوساط التركية والإقليمية، موضحاً أن هناك مزاعم وادعاءات تقول، إن الرئيس التركي تخلى عن صهره من أجل تحميله مسؤولية الأوضاع الاقتصادية التي انهارت والاستعداد للفترة الجديدة.
وأكد لـ «الاتحاد»، أن هناك أسباباً اقتصادية بالفعل لكن السبب الرئيسي هو الانتخابات الرئاسية الأميركية، مشيراً إلى اضطرار أردوغان للتعامل مع الإدارة الجديدة، والاستعداد والتأهب لهذه للفترة الجديدة بأسماء معتدلة السمعة، وليست مشوهة لإعادة صياغة علاقات أنقرة مع واشنطن.
وأشار آجار إلى أن هناك صلة بين إقالة حاكم المصرف المركزي التركي وبين اتهامات السلطات القضائية الأميركية لبنك «خلق الحكومي» بخرق العقوبات المفروضة على إيران، مؤكداً أن لهذه التغييرات تأثيراتها على العلاقات التركية الروسية، ومن المتوقع أن تثير غضب الرئيس الروسي بوتين.
وأتت إقالة الحاكم المصرف المركزي بعد 16 شهراً فقط على توليه منصبه، فقد تولى أويصال منصبه في يوليو 2019 بعد إقالة سلفه مراد تشيتن كايا، وسط خلافات بينه وبين أردوغان حول خفض معدلات الفائدة. وعارض الرئيس التركي الفوائد المرتفعة أكثر من مرة، حيث قال في تصريحات سابقة، إنه يحارب «مثلثا شيطانياً من معدلات فائدة وأسعار صرف وتضخم».
وهو ما أكده كرم سعيد، الباحث في الشأن التركي بمركز الأهرام للدراسات الاستراتيجية والسياسية، موضحاً أن كل الإجراءات التي اتخذتها الحكومة التركية لم تُفلح في تسكين أوضاع الأزمة، وأن هذه الاستقالات والإقالات تعكس نوعاً من الخلل والارتباك داخل النظام الحاكم نفسه.
ولم تتوقف الأزمة أيضاً على الأوضاع الاقتصادية المتدهورة، فحسب تورغت أوغلو، المحلل السياسي التركي، فإن هناك خلافات قوية بين حاكم المصرف المركزي الجديد ووزير المالية المستقيل في مقابل صداقته مع الحاكم الذي تم إقالته، موضحاً أن ما يوضح ذلك هو استقالة وزير المالية عبر موقع التوصل الاجتماعي «إنستغرام».
وأشار لـ «الاتحاد» إلى أن هناك مشاكل وأزمات كبيرة يعانيها الاقتصاد التركي خلال الفترة الحالية ما تسبب في أزمة داخلية في حزب «العدالة والتنمية»، ومن المتوقع استقالة وزراء آخرين، موضحاً أن ذلك ستكون له تأثيرات على بقاء أردوغان في السلطة ومن المحتمل الإعلان عن انتخابات رئاسية مبكرة.
إلى ذلك، اعتبر الباحث المتخصص في الشأن التركي، محمد ربيع، في تصريحات لـ«الاتحاد» قرار إقالة وزير المالية والخزانة التركي من منصبه «حيلة ماكرة» من أردوغان لخداع الشارع التركي الناقم على الوضع الاقتصادي وتهدئة الرأي العام الداخلي الذي بات يشكو سوء الأوضاع المعيشية وزيادة معدلات الفقر، وارتفاع أسعار المنتجات والسلع بشكل مبالغ فيه نتيجة التدهور الحاد في قيمة العملة التركية.
وتوقعت دراسة تركية شارك في إعدادها خبراء اقتصاديون واستشاريون من القطاع الخاص، أن يتضاعف عدد الفقراء الأتراك مع نهاية العام إلى ما يقرب من 20 مليوناً، وأرجعت ذلك إلى حروب أردوغان في المنطقة العربية، وفشل سياسات صهره وزير المالية، بيرات البيرق، وتفاقم الأزمة الاقتصادية.
وقال ربيع: «إقالة البيرق جاءت في ظل تغيرات كبيرة يشهدها المجتمع الدولي بعد خسارة ترامب وفوز بايدن في الانتخابات الرئاسية الأميركية مما قد يضع أنقرة أمام سيناريو يشير إلى تخوف أردوغان من أن يصاب الاقتصاد التركي بمزيد من الفشل والخسائر نتيجة لسياسات أردوغان الخارجية، ومن ثم قرر أن يُبعد صهره مؤقتاً عن المشهد الاقتصادي لكي يستخدمه مستقبلاً قبل الانتخابات الرئاسية المقبلة، ويظهره بصورة المنقذ للاقتصاد التركي من الانهيار نتيجة العقوبات الأميركية التي من المحتمل أن يفرضها بايدين ضد أنقرة».
أما خالد مصطفى، الخبير في الشؤون الأوروبية والدولية، فأوضح في تصريحات لـ«الاتحاد»، أن سياسات صهر أردوغان تسببت في سلسلة من الأزمات الاقتصادية الحادة، أبرزها التراجع الحاد في قيمة الليرة التركية، وهروب بعض رؤوس الأموال التركية إلى الخارج، فضلاً عن خروج بعض الاستثمارات الأجنبية من السوق التركي.