القاهرة، عواصم (الاتحاد، وكالات)

فشلت أول محادثات فنية بين اليونان وتركيا في مقر حلف «الناتو» أمس في التوصل إلى أي اتفاق حول آلية لخفض فرص الاشتباك في شرق البحر المتوسط. واشترط رئيس الوزراء اليوناني كيرياكوس ميتسوتاكيس وقف الاستفزازات التركية لبدء محادثات حول الحدود البحرية. وندد الرئيس القبرصي نيكوس أناستاسيادس بعدوانية تركيا، مع دعوتها في الوقت نفسه إلى إجراء محادثات لحل خلاف الحدود البحرية وحقوق التنقيب عن الغاز من خلال التحكيم الدولي، محذراً من أن التوتر المتصاعد متفجر جداً، يهدد بزعزعة استقرار المنطقة بأسرها. فيما أعلن رئيس المجلس الأوروبي شارل ميشيل سعيه إلى عقد مؤتمر متعدد الأطراف للمساعدة في تخفيف حدة التوتر في المنطقة.
وأكد الأمين العام لحلف شمال الأطلسي (الناتو) ينس ستولتنبرج إجراء اليونان وتركيا فعليا أول محادثات تقنية بهدف تجنب تصعيد التوترات العسكرية شرق المتوسط، وقال في مؤتمر صحفي عقب اجتماع سفراء الناتو أمس في بروكسل: «هذه محادثات فنية وليست مفاوضات بشأن الخلافات الأساسية المتعلقة بترسيم الحدود والمناطق الاقتصادية، لكن لم يتم التوصل إلى أي نتائج بعد بشأن آلية محتملة لخفض فرص حدوث وقائع وحوادث في شرق المتوسط». وأضاف: «عملنا يأتي مكملاً للجهد الألماني الرامي إلى وضع إطار حوار لحل المشاكل الأساسية بين الطرفين، ونحن غير منخرطين في هذا الأمر، ولكننا ندعمه». فيما نفت أثينا انعقاد أي محادثات في مقر «الناتو»، وقالت وزارة الخارجية «إن المعلومات المنشورة عن اتفاق اليونان وتركيا على عقد ما أطلق عليها محادثات تقنية لخفض التوتر في شرق المتوسط لا تتطابق مع الحقيقة».
وقال رئيس الوزراء اليوناني إن اليونان ستبدأ محادثات مع تركيا لتسوية قضية الحدود البحرية في شرق المتوسط بمجرد وقف استفزازاتها، وأضاف في اجتماع مع كبير الدبلوماسيين الصينيين يانغ جيتشي الذي يزور أثينا: «بلادنا لديها القدرة والرغبة في بحث ترسيم حدود المناطق البحرية في بحر إيجه وشرق المتوسط، وفقا لمبادئ القانون الدولي وليس تحت التهديد.. مطالبنا يمكن أن تتلخص بسهولة في خمس كلمات فقط «الأعمال الاستفزازية تتوقف، المحادثات تبدأ». 
وأوضح ميتسوتاكيس في تغريدة على حسابه في «تويتر» إن تركيا تقوم بأعمال غير قانونية شرق المتوسط، وهو ما يمثل تحدياً، ويتطلب رداً دولياً. وأشار إلى أن بلاده تواجه عدواناً تركياً وأفعالا تتحدى ميثاق الأمم المتحدة وتقوّض القانون الدولي وتعرّض الأمن الإقليمي للخطر عبر السعي لتبديل الواقع الجغرافي. موضحاً أن وزير الخارجية نيكوس دندياس سينقل رسالة بهذا الصدد إلى الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش. وشددت وزارة الخارجية على أن خفض التصعيد لن يحصل ما لم تنسحب جميع السفن التركية من الجرف القاري اليوناني.
بدوره، ندد الرئيس القبرصي بعدوانية تركيا، ودعا إلى إجراء محادثات لحل خلاف الحدود البحرية وحقوق التنقيب عن الغاز، محذرا من أن التوتر المتصاعد في المتوسط يهدد بزعزعة استقرار المنطقة بأسرها. وقال في مقابلة مع وكالة «فرانس برس»: «هناك عدوانية، مع نية للسيطرة على المنطقة برمتها بالفعل. لذا نشهد توترا متزايدا والوضع الناجم متفجر جدا ويثير القلق». وأضاف إن الجزيرة الخاضع شمالها للاحتلال التركي تواجه وضعاً خطيراً للغاية.
ودان اناستاسيادس، استفزازات أنقرة وانتهاكاتها للقانون الدولي التي تخرق المنطقة الاقتصادية الحصرية لقبرص، وحذر من تعريض استقرار وأمن المنطقة برمتها للخطر». وقال «إن مواصلة تركيا عمليات التنقيب غير القانونية أدت إلى العسكرة المكثفة لجوارنا». واقترح رداً على مطالبة تركيا بالسيادة على نحو 40 بالمئة من المنطقة الاقتصادية الحصرية لقبرص، «فتح حساب ضمان تودع فيه نسبة من أي أرباح مستقبلية عائدة من حقول الغاز غير المستغلة والغنية، يستفيد منه القبارصة الأتراك، لكن في مقابل اعتراف أنقرة أيضا بالمنطقة الاقتصادية الحصرية لقبرص»، وقال: «فعلنا كل ما بوسعنا لضمان وحماية حقوق مواطنينا، لذا ليس لتركيا أي عذر».
وشدد على أنه إذا اتخذت الأمم المتحدة والمجتمع الدولي الخطوات اللازمة يمكن تفادي المزيد من التصعيد». وأكد أن بلاده لا تريد أن تُفرض عقوبات على تركيا، وقال «العقوبات ليست هدفنا. هدفنا أن نرى أنه من خلال حوار يمكننا التوصل لتسوية تكون متوافقة تماما مع ما ينص عليه القانون الدولي». وحض تركيا على الموافقة إما على عرض القضية أمام محكمة العدل الدولية في لاهاي، أو أمام تحكيم دولي. وقال «عليهم أن يدركوا أن عليهم الالتزام بالقانون الدولي، وعدم تفسير القانون الدولي وفقا لنهجهم التوسعي». وأثنى على الموقف الحازم لفرنسا خلال الأزمة الحالية، قائلا «إن باريس كانت صوتا رائدا لما يتعين على أوروبا القيام به لحماية الدول الأعضاء من هذه العدوانية».

خبراء لـ «الاتحاد»: لا أحد يريد التصعيد لكن احتمالات الحرب «قائمة»
شعبان بلال وأحمد عاطف (القاهرة) 

رأى استاذ العلوم السياسية في جامعة جورج واشنطن الدكتور نبيل ميخائيل، أن أثينا تحاول تدويل قضية شرق المتوسط وإظهار موقفها من التصعيد التركي، موضحاً في تصريحات لـ«الاتحاد» أن القضية ستناقش في قمة الاتحاد الأوروبي يوم 24 سبتمبر. وأوضح أن إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب لا تريد التصعيد لقرب موعد الانتخابات الأميركية، بالإضافة إلى أن ألمانيا لا ترغب أيضاً في التصعيد وهي رئيس الاتحاد الأوروبي في دورته الحالية. 
وقال أستاذ العلوم السياسية بجامعة البانديو في أثينا، الدكتور عارف العبيد، إن وزير الخارجية اليوناني سيعمل في نيويورك على حشد الدعم الدولي ضد تركيا والوصول إلى حل يضمن المصالح اليونانية، كون الموقف الأوروبي منقسم على نفسه ولا توجد عقوبات جدية ضد تركيا، تدعم الموقف اليوناني حتى الآن. وأوضح لـ «الاتحاد» أنه لا توجد حتى هذه اللحظة بوادر للحل كون الطرفين متشددين في مطالبهما، ولذلك لابد من تقديم تنازلات من تركيا واليونان ويعتمد كل طرف مبادئ القانون الدولي، مشيراً إلى أن الحل الوحيد هو بدء الحوار الفوري بين البلدين وإطلاق المفاوضات بوجود أممي وأوروبي لدفع عملية السلام بين البلدين وتجنب تدخل الأطراف الأجنبية في النزاع. 
واعتبر الخبير السياسي وأستاذ الاقتصاد وإدارة الأزمات بجامعة كارديف متروبوليتان البريطانية في أثينا الدكتور عبداللطيف درويش، أن اليونان تسعى للحصول على دعم أممي ضد تركيا يعطيها غطاء قانوني. وأضاف لـ«الاتحاد» أنه لا يوجد موقف رسمي يوناني يؤكد وجود محادثات أما الموضوع التقني فقد يكون لعدم حدوث صدام غير محسوب ولا يأخذ شكلا تفاوضيا، لافتاً إلى أن اتساع الهوة في المطالب يشجع الدولتين على الاستمرار في التهديدات. وأشار إلى أنه إذا لم يكن هناك انسحابات عسكرية متبادلة ومحاصرة فعلية للأزمة فإن احتمالات الحرب قائمة.