دينا محمود (لندن)

كشفت دراسة أميركية نشرتها مجلة «نيوزويك» بعد أكثر من أسبوع على الانفجار المروع في مرفأ بيروت الذي أسفر عن مقتل وجرح وتشريد آلاف اللبنانيين، عن استخدام ميليشيا «حزب الله» الإرهابية، رصيف المرفأ الذي شهد الكارثة، لتصدير مادة نترات الأمونيوم إلى خارج لبنان، بهدف استخدامها في هجمات بأنحاء مختلفة من العالم. ونسبت الدراسة التي أجراها الخبير الاستراتيجي ديفيد ورمسر، إلى خبراء تشكيكهم بما يقوله مسؤولون لبنانيون من «أن الكمية الهائلة من نترات الأمونيوم، التي كانت مُخزنة في مستودع، وقدرت بـ2750 طن، صودرت من سفينة توقفت لأسباب تقنية في المرفأ عام 2013، خلال رحلة من جورجيا إلى موزمبيق، تخلى عنها أصحابها.
وأبرزت الدراسة إفادات أدلى بها مفتشون في المرفأ، وكشفوا فيها عن أن دولا داعمة لـ«حزب الله»، سددت ثمن شحنة نترات الأمونيوم التي كانت مُحملة على متن السفينة، وهو ما يؤكد أن بيروت شكلت وجهتها النهائية، ولم تكن محطة توقف اضطرارية خلال الرحلة. وقال ورمسر، وفقا لما نشرته «نيوزويك»: «إن الشواهد تؤكد أن الحزب كان يبسط سيطرته قبل كارثة الرابع من أغسطس، على العنبريْن رقم 9 و12 في مرفأ بيروت، نظرا لأنهما كانا يتاخمان الشاطئ مباشرة، ما يجعلهما مكانيْن  مثالييْن، لأي جهة ترغب في جلب أو تصدير مواد، لا يُراد إخضاعها للفحص أو حتى الملاحظة». (والمعروف أن العنبر رقم 9 شكل مكان اندلاع الحريق الذي سبق وقوع الانفجار، الذي دمر العاصمة اللبنانية قبل نحو 10 أيام).
وأشار الخبير الاستراتيجي إلى أن هذه المعطيات تفيد «أن العنبر رقم 12، لم يكن منطقة تخزين، لشحنة واحدة من نترات الأمونيوم توقفت بشكل عرضي خلال نقلها من جورجيا إلى موزمبيق، وإنما مثّل رصيف شحن استخدمه حزب الله لنقل تلك المواد، التي تُستخدم لتصنيع القنابل، إلى خلاياه الإرهابية في مختلف أنحاء العالم». وأكد أن المقاطع المصورة المتوافرة لكارثة المرفأ والتي تُظهر أن الميناء شهد انفجاريْن أحدهما محدود والآخر شديد التدمير، تكشف عن تصاعد أدخنة رمادية كثيفة تميل إلى البياض جراء الانفجار الأول، وهو ما يتفق مع «انفجار كميات من المتفجرات أو حتى وقود الصواريخ»، وهي كلها مواد تابعة على الأغلب لـ«حزب الله».
وشكك الخبير الأميركي في صحة التقديرات التي أعلن عنها المسؤولون اللبنانيون، بشأن كمية نترات الأمونيوم، التي تسببت في حدوث الانفجار الثاني، مؤكداً أنها «قد تكون أكبر بكثير مما يُقال». واستعرضت «نيوزويك» الوقائع السابقة التي تثبت إقدام «حزب الله»، على تصدير نترات الأمونيوم إلى خارج لبنان، ومن بينها اعتقال أشخاص ينتمون للحزب وبحوزتهم آلاف الكيلوجرامات من هذه المواد في قبرص عام 2015، وكذلك اكتشاف الاستخبارات الألمانية في مايو الماضي، مئات الكيلوجرامات منها، في مخازن بجنوب البلاد، ما أدى إلى أن تصدر السلطات في برلين، قرارا بحظر «حزب الله» وتصنيفه إرهابياً، دون أي تمييز مزعوم بين جناحيه السياسي والعسكري.
بدورها، أبرزت منظمة «كلاريون بروجيكت» المعنية بمواجهة الأنشطة المتطرفة والإرهابية، مؤشرات عن وقوف «حزب الله» وراء انفجار بيروت، واستخدامه للمادة الكيميائية التي تسببت في وقوعه. وألقت بدورها الضوء على السجل الأسود للحزب على هذا الصعيد، والذي يتضمن العثور على مخبأ تابع له في لندن، يحتوي على ثلاثة أطنان من نترات الأمونيوم عام 2018، واعتقال أحد عناصره قبل ذلك بعام واحد، بتهمة التخطيط لتفجير قناة بنما باستخدام هذه المادة. وتضمنت هذه الوقائع أيضا، ضبط عنصر من «حزب الله» في تايلاند عام 2012، وفي منزله نحو أربعة أطنان ونصف الطن من نترات الأمونيوم، بجانب تعقب عضو آخر، وهو يحاول شراء كميات كبيرة منها، عام 2009 من الصين.
وفي تقرير حمل عنوان «هل فجّر حزب الله ميناء بيروت؟»، نسبت «كلاريون بروجيكت» إلى تقارير استخباراتية أعدتها مصادر في لبنان والولايات المتحدة وإسرائيل «أن الحزب كان يستخدم أحد مستودعات مرفأ بيروت كمنشأة لتصنيع القنابل، ما أدى إلى أن يتم تخزين كل المكونات اللازمة لذلك، داخلها». وأشار التقرير الذي أعده الخبير في وزارة الأمن الداخلي الأميركية دي. دبليو ساندرز إلى أن المكان كان يحوي كل العوامل التي تؤدي إلى تحول نترات الأمونيوم، إلى مادة شديدة الانفجار من وقود ونترات وأسطوانات أو تجاويف يمكن أن يتفاعل فيهما العنصران الأولان، بجانب مسبب للاشتعال»، وهو ما يرجح أن يكون قد تم إشعال فتيله من على بعد، إما من خلال جهاز مُؤقت يعمل بالبطارية أو بواسطة هاتف خلوي.
واتهم ساندرز، المتخصص في شؤون الكشف عن المخاطر التي تُحدق بالمنشآت التي تحتوي على مواد كيميائية، «حزب الله» ضمنيا بالتسبب وبشكل مباشر في انفجار بيروت الكارثي للتغطية على استخدامه المرفأ في تصنيع القنابل أو تصدير نترات الأمونيوم، قائلا «لو كان أمر حزب الله  قد افتضح، (ربما) أشعل عناصره ببساطة بعض الألعاب النارية، وفروا على الفور من المكان، وتركوا الانفجارات تغطي آثارهم، وتدمر في طريقها بضعة محال تجارية وسيارة أو سيارتين».
وفي إشارة إلى أن كوادر هذه الميليشيا الإرهابية لم يدركوا مسبقاً الحجم الهائل للدمار الذي سينجم عن الانفجار، قال ساندرز: «لا يبدو أن أحدا عَلِمَ مسبقا بالطاقة التفجيرية التي كانت مخزنة في المستودع.. فلو كان الأمر قد اقتصر على حريق صغير وانفجار محدود، كان سيكفي في هذه الحالة أن تتولى فرق تنظيف (تابعة للحزب) التعامل مع أي أدلة متبقية، ولكن ما حدث تجاوز ذلك بكثير. واعتبر الخبير الأميركي أن مرفأ بيروت شكلّ الموقع المثالي لتجميع القنابل، ونقلها إلى حركة «حماس» في قطاع غزة، أو إلى عناصر «حزب الله» نفسه في جنوب لبنان على متن شاحنات»، مشيرا إلى أنه إذا كان الحزب يصدر الإرهاب إلى العالم، فسيشكل المرفأ الواقع على مرمى حجر من أوروبا، المكان الأكثر ملاءمة لمثل هذه الأنشطة، في ضوء أنه يصلح لكي يمثل غطاء للسفن التابعة لتلك الميليشيا الإرهابية، والتي تحمل الشحنات الضرورية لتنفيذ عملياتها الشنيعة داخل أوروبا وخارجها، وحتى في دول البلطيق».