الجمعة 7 أكتوبر 2022 أبوظبي الإمارات
مواقيت الصلاة
أبرز الأخبار
عدد اليوم
عدد اليوم
دنيا

كيف تندمج في العمل؟

كيف تندمج في العمل؟
23 يوليو 2022 00:04

د. شريف عرفة

في بعض الأحيان، ينخرط الإنسان في القيام بشيء لدرجة نسيان الطعام والشراب، وتجاهل مرور الوقت، وعدم الانتباه لما يحدث من حوله.. وكأنه أصبح كياناً واحداً مندمجاً في النشاط الذي يقوم فيه.. ترى هذا في محترفي الشطرنج، الذين يمارسون اللعبة لساعات طويلة دون توقف.. وتراه لدى الفنان الذي يرسم لوحة، أو الموسيقي الذي يؤلف مقطوعة جديدة، فيسرح فيها وكأن الكون قد تلاشى من حوله.
يحدث هذا حين يقوم الإنسان بنشاط يحبه ويصب فيه كل تركيزه ليكتشف أن ساعات قد مرت من دون أن يلاحظ ذلك. ولا تقتصر هذه الحالة على الفنانين والمبدعين، بل تشمل الاندماج في العمل أو الدراسة.. كمن يسهر لإنهاء مشروع أو لإنهاء بحث..
وبالطبع، لك أن تتخيل مدى الإنجاز الذي يمكن أن يحققه الشخص، إذا كان يمارس عمله بهذا التفاني..
فلماذا يصل البعض لهذه الحالة من دون غيرهم؟
وكيف نزيدها في حياتنا عموماً؟

التدفق النفسي
رصد البروفيسور ميهاي شكسميهاي Mihaly Csikszentmihalyi هذه الحالة ودرس جوانبها المختلفة، وأسماها التدفق النفسي flow.. ومن علاماتها المميزة مرور الوقت سريعاً وعدم الانتباه للمؤثرات الخارجية.. وقال: إن تكرارها في الحياة دليل على كونها حياة سعيدة، أي أن عليك زيادتها قدر الإمكان كي تكون سعيداً في حياتك. لأن هذا دليل على أنك تقوم بشيء ذي معنى، ويثير شغفك.

توازن المهارة والصعوبة  
كي تتحقق هذه الحالة، يجب أن يكون النشاط متعلقاً بمجال يقع ضمن دائرة تخصصك واهتمامك وشغفك.. نشاط تحبه وتجده جذاباً.. وأن تخصص له مكاناً بعيداً عن المشتتات، كي تستطيع الاندماج في هذه الحالة.. إلا أن هذا وحده لا يكفي.
اكتشف شكسميهاي ضرورة توفر عوامل أخرى، هي درجة صعوبة النشاط ومدى تناسبه مع مهاراتك.
- لا يجب لهذا النشاط أن يتجاوز قدراتك، وإلا سيكون صعباً.. سيثير الانزعاج ويسبب القلق وقد يؤدي بك إلى الشك في نفسك.. هل أنا قادر على إنجازه حقاً؟ هل أنا جيد بما فيه الكفاية؟ وبالتالي، لن تجده نشاطاً ممتعاً. لو كنت مهندساً، وطلبت منك إجراء عملية جراحية.. ستكون صعبة وغير ممتعة وتصبح مصدر إزعاج وقلق!
- أما لو كان النشاط سهلاً للغاية وأقل بكثير من قدراتك، فإنه سيكون نشاطاً مملاً.. يورثك الضجر واللا مبالاة وأنت تمارسه.. لو كنت جراحاً للقلب وطلبت منك تغيير الضمادات طوال اليوم، ستجد الأمر مزعجاً رغم أنه أسهل!
- لذلك ينبغي أن يكون هذا النشاط صعباً، لكن بدرجة تناسب قدراتك، وتتحدى مهارتك وتحفزها لأقصى حدودها دون أن تتجاوزها. هنا يحدث التركيز في مهمة تتعلق بتخصصك، كجراح يمارس عملية قلب مفتوح معقدة دقيقة تثبت براعته، أو كمعماري يرسم تصميماً هندسياً فائق التعقيد.. أو كصانع الساعات الذي يصلح تروس ساعة معقدة.. أو شخص يمارس هوايته الأثيرة التي أتيحت له ممارستها بعد يوم عمل شاق، أو من يقرأ رواية شيقة أو كتاباً ممتعاً يتطلب التركيز والانتباه. باختصار، كي تصل لهذه الحالة، تحد قدراتك.. مارس نشاطاً في مجال تخصصك أو اهتمامك بشرط أن تزيد صعوبته لدرجة تجعله «تحدياً مثيراً» لمهاراتك. لأن هذا ما سيجعل تركيزك متحفزاً لحده الأقصى.

القيمة
ممارسة التدفق النفسي أمر ضروري لإتقان مهامنا اليومية.. وتطوير مهاراتنا وقدراتنا.. إلا أن ثورة الاتصالات والتكنولوجيا أدت إلى ظهور وسائل تثير هذه الحالة من دون معنى أو هدف.. ليصبح الأمر كإهدار مورد مهم كان في الإمكان استغلاله لتحسين حياتنا. أعني ألعاب الفيديو، ومنصات التواصل.. حيث إن مصمميها يسعون بشتى السبل لإيصال المستخدم لهذه الحالة، كي ينسى الوقت ويقضي أطول فترة ممكنة في اللعب أو التصفح. هناك دائماً ما يثير انتباهك ويشد بصرك كي تظل مشدوهاً أمام الشاشة، من دون أن يؤدي هذا إلى إنجاز شيء حقيقي في الحياة.

جميع الحقوق محفوظة لصحيفة الاتحاد 2022©