الإثنين 27 يونيو 2022
مواقيت الصلاة
عدد اليوم
عدد اليوم
دنيا
شيخة الجابري تكتب: الأنوية بوصفها حلاً
شيخة الجابري تكتب: الأنوية بوصفها حلاً
13 يونيو 2022 01:48

الأنا وصفٌ قاسٍ عن سلطة الذات وتمددها وسيطرتها على الفرد حتى أنه لا يكاد يرى غيره، تحمل في داخلها شكلاً من أشكال التوحد الأعلى مع الذات، البعيد عن الآخر، الذي يسميه فرويد «الهُو» «والأنوية» التي يُروّج لها في زماننا هذا هي الأقرب إلى الوصف الذي أعنيه، لأنها تُركز في مفهومها على التنصّل من المسؤولية، وتكريس مفاهيم السلبية واللامبالاة والتعامل ببرود وجمود مع ما يحدث حول الآخر، مهما كانت أو عَلت قيمته لديه.
الأنا هنا هي التي تنتصر للذات بصرف النظر عما يمكن أن تخلّفه من خسارات أو انكسارات أو ألم للآخر شريكاً كان أم قريباً أم صديقاً، أم زميلاً أو أي طرف آخر قد يكون في حاجة إلى أن تكون معه، فتلفظه خارج عالمك وكأنك منبوذ بدعوى أن المشتغلين فيما يُسمى بعلم الطاقة قالوا لك غيّر نفسك، عِش لذاتك، اعتزل وبشكل قطعي ليس ما يؤذيك، وإنما من يمكن أن تدفع عنه الأذى، أو تساعده لتجاوز أزمة قد تكون معك!
لذا هناك بلادة في السلوك البشري في زمننا هذا، بالقطع ليس الجميع ولكن شريحة واسعة من الناس باتت تتعامل بمنطق «أنا ومن بعدي الطوفان» أياّ كان شكل ذاك الطوفان، يُدمّر أسرة، يجرح صداقة، يُلغي أمراً حَسناً، يُحرم محتاجاً، هكذا تبدو الأنا في زمن «الطاقويّة» أولئك النفر الذين يجنون الأموال والأرباح، ويعمل بعضهم على خلع الإنسان «الطّيب، الخلوق، الجميل، المتسامح» من مملكة الأخلاق تلك، ومدرسة الرحمة الإنسانية إلى مناطق تتصف بالوعورة السلوكية، والتعرجات النفسية الخطيرة.
«أنا» في الفلسفة الحديثة تُشير في معناها النفسي والأخلاقي، إلى الشعور الفردي الواقعي، وإلى ما يهتمّ به الفرد من أفعال معتادة ينسبها إلى نفسه، إذن هي تعمل على تكريس ذاك الشعور الذي يفصلها عن الآخر.
الأنوية، إن صحت تسميتي لها، هي مرض خطير في اعتقادي، هذا المرض يأخذك من عالمك الإنساني الفيّاض بالمحبة والوفاء والامتنان، والرحمة، والأمان، إلى آخر ووفق اعتبارات جديدة تحمل في داخلها المختلف من المشاعر والسلوكيات، وتروّج في أساليبها للتنصّل من المسؤولية الإنسانية المزدحمة بالعاطفة باتجاه الآخرين.
في زمننا هذا كل شعور يعتريك أو شكوى تطلع من داخلك سوف تُفسّر بأنها مرض نفسي وعليك اللجوء فوراً إلى بيّاع طاقة، أو طبيب نفسي، تذهب إليه لينصحك بالتخلّي عن المسؤولية تجاه الآخر، وأن تعتني بك وباهتماماتك وذاتك، الآخرون للجحيم، إنه زمن الجفاف العاطفي وكفى.

جميع الحقوق محفوظة لصحيفة الاتحاد 2022©