الجمعة 20 مايو 2022
مواقيت الصلاة
عدد اليوم
عدد اليوم
دنيا
شيخة محمد الجابري تكتب: في دائرة الضجيج
شيخة محمد الجابري
9 مايو 2022 02:25

ليس من شيء كالضجيج يمكن أن يعكّر صفوك، ويذهب بك نحو كثيرٍ من التوتر والتشنج النفسي، تكون عندها في حاجة إلى السفر بداخلك نحو مساحات من الصمت الذي يجلل روحك، فأنت في الدائرة غير قادر على الخروج منها، ولا سبيل للفرار سوى النزوع إلى الصبر، ريثما تهدأ العاصفة.
لو يصمت العالم الضاجُّ، قليلاً.. ماذا يحدث لو صمت العالم؟ لو اختفى ضجيج البشر لحظة، أما كانت الأرض تستعيد بعض فتوَّتها، بعض صحتها؟ هكذا يقول وديع سعادة يريد أن يهرب من العالم الضّاج إلى آخر قد يجد فيه بعض الهدأة التي تأخذه إلى عوالم من السكينة والأمان النفسي الذي نحتاجه جميعاً في امتداد السنوات من أعمارنا، نحن كلما كبُرنا احتجنا للصمت وللهدوء كاستراحة ضرورية بعد ضجيج الحياة الذي أكل أعمارنا بين متاعب، ومحطات ما كانت إلا عبئاً ثقيلاً رافقنا مع الأيام.
لا أعتقد أن قطعة لموزارت أو عمار الشريعي أو بيتهوفن أو ياني يمكن أن تنتزعك من صخب حولك إذا أنت تعيشه وتعانيه، وتحاول الخروج منه، وما من سبيل إلا وضع بعض نُدف من الثلج على أعصابك كي تمنح صدرك فسحة لنفَسٍ طويل يطويك في داخلك لتكون وحدك ومعك في عزلة تحتاجها لتنجو بروحك من سيل الأصوات الضاجة باللا شيء أو أي شيء لا حاجة لك به، ولا يبدو أنك تفهمه.
الضجيج والصوت الحاد مزعجان إلى الحد الذي يجعلك غير قادر على القفز من الدائرة التي كلما حاولت الاحتيال عليها وجدت نفسك محاصراً بما لا يمكنك تحمله من مواقف، كيف يمكن للعالم أن يستمر وهو في حالة ركض لا يهدأ في سبيل الحصول على ما يريد، أو الإبقاء على ما في يديه، لو ترك الإنسان أمره لله، ونظر إلى كل الأمور ببساطة شديدة سيغدو سعيداً، وقادراً على التحليق بخفة ورشاقة وسلام يرتجيه.
نحمل أثقالاً متعددة شديدة وقاسية، كلّنا لدينا معاناة من نوع ما وإن أنكرناها أو تجاهلناها أو هربنا منها، أو حاولنا إسقاطها ونسيانها، تظهر كلما لاح بصرنا إلى الأفق البعيد فاراً باتجاه فراغ يحتاجه، فراغ يجعل منه آخر قادراً على التجدد والتجديد في حالة من الصمت والهدوء وخارج دائرة الصخب التي أخذته إلى طرق لا يشتهيها، ولم يتمناها.
من أجمل ما كتب الشاعر المحضار قصيدته الشهيرة «يا حامل الأثقال خففها شوي»، أحياناً تكون في حاجة إلى رحلة هادئة في تلك الجزيرة التي ينبئك شاعرها بأن «بكره تنفرج ويحلّها الحلال».

جميع الحقوق محفوظة لصحيفة الاتحاد 2022©