الأحد 26 يونيو 2022
مواقيت الصلاة
أبرز الأخبار
عدد اليوم
عدد اليوم
دنيا
د. شريف عرفة يكتب: قوة الضعف الإنساني
د. شريف عرفة يكتب: قوة الضعف الإنساني
23 ابريل 2022 01:53

لو طالعت عناوين كتب التنمية الذاتية، ستجد كلاماً عن الثقة بلا حدود، والسعادة اللانهائية، والقوة والتحكم وإدارة الذات والآخرين.. وكأن التصور المثالي للإنسان هو أن يصبح خارقاً.. يعالج كل مكامن الضعف والنقص ليكون إنساناً فائقاً أقرب لآلة إنتاج دقيقة الصنع.
هذا التصور يشكل ضغطاً نفسياً لكل شخص مهتم بقراءة هذه الموضوعات، لأن التقنيات الجديدة لا تنتهي.. ومن المستحيل أن يلم المرء بها ويستطيع تطبيقها في حياته طوال الوقت.. هل تعرف لماذا؟ لأن هذا يجافي الطبيعة الإنسانية في الأساس! لا يمكنك أن تكون رائعاً ومثالياً طوال الوقت؛ لأن هذا غير طبيعي وغير مطلوب.. لا يمكن للإنسان أن يحس بمشاعر إيجابية طوال الوقت، ما لم يكن مصاباً بالهوس «mania».. من الطبيعي أن تشعر بالضيق حين تأتيك مخالفة مرورية لم تقصدها.. وأن تشعر بالملل حين لا تجد ما تفعله.. وبالحزن عند فراق شخص عزيز.. لا يمكنك أن تكون رائعاً في كل شيء وعليك التصالح مع هذه الحقيقة!
بالطبع يحاول الإنسان أن يكون أفضل، لكنها رحلة لا تنتهي، وقوة الإنسان الحقيقية تكمن في عدم اكتماله وسعيه المستمر.. فإدراكك للعيوب هو ما يجعلك تسعى باستمرار لإصلاحها.. على عكس الشخص الواثق من نفسه أكثر من اللازم، فلا يرى فيها عيباً ولا نقيصة تتطلب العمل عليها.. إدراك الإنسان لنقصه قوة كاسحة تدفع الإنسان لتعويض هذا الشعور بالإنجاز، على عكس شخص راضٍ عن حاله أكثر من اللازم، فلا يجد دافعاً للنجاح.. إدراك الإنسان لمواطن جهله يجعله أكثر تواضعاً عند النقاش، وبالتالي يتعلم أفضل من شخص مغلق العقل يعتقد أنه علامة عصره!
إدراكنا لعيوبنا الإنسانية، هو ما يدفعنا ويحفزنا ويجعلنا نتمتع بالفضائل الأخلاقية ويجعل علاقاتنا بالآخرين أفضل.. التمركز حول الذات ورغباتها الأنانية يتناقض مع الإيثار والتعاطف وعمل الخير، بل وإدارة فريق العمل الناجح وعمل تحالفات أكثر كفاءة! القصة لا تتعلق بك أنت وحدك، فهناك آخرون في هذه الحياة!
حتى فكرة الموت في حد ذاتها، التي تعتبر أقصى تجليات الضعف الإنساني أمام وطأة الزمن، شكلت دافعاً لأغلب منجزات البشر.. يشرح «إرنيست بيكر» في كتابه الحاصل على جائزة البوليتزر «إنكار الموت»، كيف أن إدراك البشر لضعفهم وفنائهم، يسبب قلقاً وجودياً عميقاً دفعهم لكل المنجزات الإنسانية التي تراها حولك اليوم.. منذ قرار الإنسان البدائي الحياة في بيت يحميه من الافتراس، إدراكاً لضعفه أمام قوى الطبيعة.. وكأن أفكارنا وطموحاتنا ما هي إلا وسيلة دفاعية نقاوم بها فكرة الفناء!
حين تقرأ كتب التنمية الذاتية التي تعدك بحياة مثالية، تذكر أن السعادة خط متعرج كالرسم البياني، يهمنا أن يكون مرتفعاً بشكل عام، لكن هذا لا ينفي وجود منحدرات تعبر عن طبائع الأمور.. وتذكر أن النجاح نسبي ولا أحد ناجح وخبير في كل المجالات.. فابحث عن السعادة والنجاح الحقيقيين النابعين من معطيات حياتك أنت.. وتقبل كونك إنساناً لا كائناً خارقاً!

جميع الحقوق محفوظة لصحيفة الاتحاد 2022©