الأربعاء 1 ديسمبر 2021
أبوظبي الإمارات
مواقيت الصلاة
دنيا
ناصر الجابري يكتب: التواصل الإنساني
ناصر الجابري يكتب: التواصل الإنساني
الخميس 28 أكتوبر 01:04

كثيرة هي الأوقات التي يحتاج فيها الإنسان إلى ومضة من كلمات تعيد إليه نور الأيام، أو رشفة من كوب المواساة لتنتشله من موجات الألم، أو لابتسامة تغرس بذرة التفاؤل والأمل وسط تربة القلب، أو لامتداد يد ترفعه إلى يابسة الحياة.
إن التواصل الإنساني ضرورة ملحة لا تغيب مع الوسائل الاجتماعية الإلكترونية، وحاجة داخلية تنبع من ميل الإنسان إلى التواصل والتخاطب مع الآخرين، فلا شيء يوازي استذكار الأشخاص واحترام مقامهم وتذكيرهم بأنفسهم قبل تذكيرنا بأنفسنا إليهم، من دون الارتباط بالمناسبات المجتمعية والسنوية، أو انتظار لحظات بعينها للسؤال عنهم والبحث عن أخبارهم.
التواصل البشري الإنساني الخالص يعد لفتة تجسد المودة والاحترام، وتعكس مشاعر التآلف والمحبة، فكثيراً ما نقع في فخ الانشغالات اللامتناهية، فننسى سبب غياب أحدهم عن مشهد الحياة، ولا ندرك ظروفه أو مرضه أو رحيله إلا بعد مدة، أو نفقد التواصل مع آخرين جمعنا بهم العمل فقط، بدعوى أن رابط المهنة قد انتهى، من دون أن نتعمق بأن معارفنا هم من عرفناهم، سواء في دراسة أو عمل أو في موقف آخر.
إن فوائد التواصل تسهم في تعزيز الصحة النفسية، وتعد درعاً واقياً من مخاض التقلبات، وعنصراً حامياً من ويلات الزمن. هو التواصل الاجتماعي الحقيقي الذي ينطلق من النفس إلى النفس، ومن دواخل القلب إلى الآخرين، فليست الغاية بمقدار عدد متابعيك إلكترونياً، بقدر عدد من يسأل عن تفاصيلك يومياً.
كثر هم البشر الذين يظهرون في أفق الدنيا مثل غيمة، ما تلبث إلا قليلاً فتذهب، أو كمطر ينهمر علينا فيروي مشاعرنا العطشة ثم يرحل، هؤلاء الذين يأتون وهلة ثم تضرب الأيام بمشاغلها علينا فنتناساهم، وتفصلنا عنهم جدران من السنوات التي تتحرك من دون أن نستشعر أهمية الإبقاء على التواصل معهم.
أولئك الذين كانوا كل الزمان والأوقات، ومن ثم تقاذفت بنا الظروف لنفترق عنهم، كنا سرباً واحداً نستكشف معهم تفاصيل الحياة ونغادر برفقتهم من مرحلة عمرية إلى أخرى، ومن ثم يفترق السرب أشتاتاً وتتلاشى الذكريات وتصبح مجرد مواقف توضع في رفوف الماضي.
يسرف كثيرون في المحافظة على الأشياء، ولكن هل هناك من شيء أثمن من المحافظة على البشر؟ إن الإبقاء على الأحباب والأصدقاء مهمة لا ينجح فيها إلا الأوفياء الأنقياء الذين استجمعوا أوقاتهم قبل طاقاتهم، وقدروا قيمة النفس البشرية، وعلموا أن الكنز الحقيقي هو حجم ما حولك، قبل أن يكون حجم ما لديك.

الأكثر قراءة
جميع الحقوق محفوظة لصحيفة الاتحاد 2021©