الإثنين 6 ديسمبر 2021
أبوظبي الإمارات
مواقيت الصلاة
دنيا
العابرُ نحوَ الزمان
العابرُ نحوَ الزمان
الإثنين 25 أكتوبر 01:23

رغم أنه يرتدي الريح وشاحاً ومدى، يسوق الأماكنَ والصور، يطيرُ نحو الآفل من الزمن، في حركةٍ عكسية، يبحثُ عن نفسهِ بين أوراقه العتيقة، ونافذة بيت قديم كساهُ الطين، يحاولُ سبرَ أرجاء الروح، نحو اللاشيء يمضي، به حنينٌ لا يذبل، يكادُ قلبهُ ينفرط لشدّةِ الحاجة إليه لا أكثر، يهدهدُ الوقت الذي يقيّد روحه، ويستجدي الليل ليمضي صوبَ النهار، فالضوء انتباهُ الذاكرة في وهج الزمان.
بعضنا مثلهُ تماماً ندورُ كثيراً حول أنفسنا، نحاولُ أن نكون شيئاً آخر في زمن آخر لغتهُ غريبة، احتياجاته كثيرة لكنها مشوشة، هذا الضجيج من حولنا يؤرقنا، هو أيضاً يقول ذلك، يحنّ إلى لحظة هدوء، يحنّ إليه، يشعُر باغترابه عَنه، يذهبُ بعيداً في احتياجه، إنه يتمنى دقائقَ مع ذاته، يحاورها، إليها يتحدث بحبٍ مُعتق، يطمئنُ عليها، يثقُ فيها، يروي لها حكايات الزمن الفارط، ذاك الذي كانهُ واشتهاه، مثلنا تماماً يحبّه دون مساحيق، ومن غير مكملات تجميلية، يعيده كالسماء الصافية كما كان، وكان الصدى.
إنه يتعثرُ كلما سار نحو دربٍ لا يشتهيه، ولا يشبهه، ولا به تكتمل أحلامه البسيطة، هو يرى أن هذا الزمن معقد بناسِه، بأفكارهم، بلغتهم، بسلوكياتهم، بماديتهم التي لا يحبها، إنه البسيط القوي في آن معاً، وهو الفقير الغني في وقت معاً، وهو المبدع المتواضع في شتى الظروف، لكنه يشعر بأن الذي لديه لا يستنطق اللحظة، ولا يقوى على مسايرة ما لا يحب، هوَ واضح تماماً كروح، شفيف كماء عذب، نافذٌ في الصبر كحصاة عتيقة، هوَ هوَ ذاته لم يتغير فيه شيء، سوى ذاك الحنين الذي يسربل روحه بكل شيء يجعله ذا احتياج يبحث عنه في عيون الآخرين، وفي مكامن الزمن العتيّ بما فيه، إنه الباحث عن الماضي ذي الشوق العظيم.
يحاولُ بينهُ وبينَه امتطاء صهوة الوقت، يركضُ نحو الريح، يسابق خطوَ الرمل، يحفرُ قصيدته في عمق الأرض، ينبشُ الحلم كأنما هو لا يستيقظ، على حالتهِ يعود، وإليه يمضي، حلم ما، فكر ما، شيء ما خارج نطاق المشتهى، وداخل النابت من الأمل الذاهب نحو الفضاء، في عينيه غضنٌ من سدرةٍ نضرة، في يديه بسرةُ رُطب نديّة، وفي وجنتيهِ ظل ماء، وهواء، وقلب يحبه، هكذا يمضي يسوق الوقت، كأنما هو الماضي، وهو العابر نحو الزمان زاده التقوى، وتاج نبضه الأمان، منذ أوان.
في محاولتهِ الانسلاخ مما لا يحب، يصيرُ واحداً آخر، غريباً عن روحه، وذاته، يتسلل ُ نحو ما يريد، لكن كل ما حوله تغيّر، إنهُ يشعرُ بالغربة في زحمة الوجوه، وتفاصيل الحياة.

الأكثر قراءة
جميع الحقوق محفوظة لصحيفة الاتحاد 2021©