الجمعة 3 ديسمبر 2021
أبوظبي الإمارات
مواقيت الصلاة
دنيا
موسيقى «فادو» نافذة على روح البرتغاليين!
موسيقى «فادو» نافذة على روح البرتغاليين!
الإثنين 25 أكتوبر 01:28

نوف الموسى (دبي)

جماليات حضور الثقافة في «إكسبو 2020»، أنها لا تبحث عن حلول مباشرة لتحديات آنية ومعاصرة، ولكنها تقدم مساحة حميمية للالتقاء بين الإبداع الإنساني المتفرد، وبين الذاكرة الحسية للتجربة اليومية، فما الذي يعنيه سماع الزائر للجناح البرتغالي لموسيقى «فادو» التقليدية التي تعود قراءات تاريخها البحثي إلى القرن 19 في مدينة لشبونة في البرتغال - مُسجلة أغانيها ضمن قائمة التراث الثقافي غير المادي لليونسكو - بماذا يمكن أن تؤثر تلك الأغنيات المصحوبة بالجيتار، وهي تتمدد بين الأدوار الأرضية والعلوية، وتلتقي بمضامين الجناح المتنوعة، خاصةً أنها تتمركز في منطقة جلوس دائرية في وسط المدخل الرئيسي للجناح عبر سماعات منتشرة في سقف المكان، وتمثل منطقة الجلوس بحسب القائمين على الجناح، منصة تجمع الناس من مختلف الثقافات واللغات والأديان والأعراق، تعبيراً عن روح المجتمع البرتغالي وانفتاحه على العالم، ولنا أن نتأمل كيف يجلس الناس في محيط بيضاوي، يستمعون إلى «الفادو»، المرتبطة بالكلمة البرتغالية «saudade»، والتي تعني الحنين والشوق، بل إنها تعبر عن القدرية «القدر» و«المصير»، من الكلمة اللاتينية «fatum» باعتبار أن إحساس الأغنيات لها دلالة لحكمة الحياة وتحدياتها، التي عادةً ما تكون مليئة بمشاعر لا نهائية، يصعب تحديدها ووصفها بشكل دقيق، وذلك لشدة تداخلها وتناقضها في الطبيعة البشرية، ورغم أن هناك إشارة مباشرة لموسيقى «الفادو» بأنها تعبير عن الخسارة الدائمة التي لا تعوض، نتيجة نشأتها من أصوات البحارة القدماء في البرتغال، وهم يعبرون عن شعور الفقد والكآبة، إلا أنها تحولت إلى موسيقى وطنية، تجسد التوازن القائم على أنه لا فرح بدون ألم، وأن النور يقتضي وجود الظلام الدامس، وممارسة الخير لا بد أن تدفع من قبل الشر، ممثلاً رثاء روحياً بتجاه تعزيز الإنسان للقبول، وأهمية الاستمرار نحو تتبع موجات الصعود والنزول لمحيط الحياة العظيمة. 

ماذا نفعل غالباً إذا ما استمعنا لموسيقى فاتنة؟ فعلياً يقودنا الفضول في كثير من الأحيان نحو تاريخها، ولكننا سنبقى لبعض الوقت مأسورين جداً بفنانيها وشعرائها وأماكنها، بل سنقرر حتماً أن نسافر لتلك الأزقة والمقاهي التي احتفت بمقطوعاتها.

وتعد موسيقى «فادو» شكلاً من أشكال الأغاني التي وثقت شفهياً في الفترة ما بين عشرينيات وثلاثينيات القرن التاسع عشر، مع تعديلات متتالية أضافها المتخصصون طوال بحثهم عن طبيعية تلك الأغنية وأصل نشأتها وتشكلها، ويعتقد أنها سمعت لأول مرة في مناطق الموانئ مثل حي «الفاما» والذي يعد أقدم المناطق في لشبونة، وحي «بايرو ألتو» البوهيمي والمعروف بجدارياته الفنية، وتحديداً من الطبقة العاملة أي البحارة والبوهيميون، وفي تفسير لإحدى معتقداتهم بموسيقى «فادو»، بأنهم يولدون وقد كتب مصيرهم، أي أنهم «فادو» حتى قبل ولادتهم، فعندما مات البحار، لم يكن بالضرورة فألاً سيئاً، بل كان «فادو» أي قدره، ما يضفي للحياة سيرورتها الغامضة والساحرة في الوقت نفسه، وكان وقتها لا يجب أن تمتلك صوتاً جميلاً لتغني، ولكن متى ما استطاع الشخص التعبير عن مكنونات الحياة، فهو بالتأكيد قادر على أن يتغنى بـ «الفادو» ويطلق عليه «فاديستا».

إذاً كُل موسيقى عندما تتشكل في البداية تحتاج لمناخها الخاص، وتدعو المحيط بأكمله للانضمام في الإحساس المشترك، فنحن عندما ندرك فجوات الألم الإنساني وأثرها في ثقافة معينة، فإننا بالتأكيد نكون أكثر قدرة على التعاطف والمشاركة، لأننا وبشكل ما استخدمنا التجربة الموسيقية لاكتشاف الملامح المشتركة لمعنى «الفقد» الذي يعد شعوراً قوياً، كون الإنسان يمتلك ذاكرة اجتماعية عميقة، تتصل جذورها وتنمو بوجود الآخر، انطلاقاً من الدائرة الصغيرة وهي الأسرة، وصولاً إلى دوائر عامة بالناس والمكان. 
التفكر بالموسيقى واكتمال دورها في «إكسبو 2020» يكمن عبر المشاركة، أي أن الأصل فيه هو «تلاقي الثقافات شعورياً»، وهو منهج إنساني رفيع، يستقبل فيه الإنسان ضيوفه بمقطوعات موسيقية، تعكس بوضوح حياته وأفكاره وصراعاته وتحدياته، التي يود أن يستوعبها الآخر ويتقبلها برحابة صدر، وكذلك هي موسيقى «الفادو»، التي تغنت بها نساء في البرتغال، من مثل ماريا سيفيرا أونوفريانا «1820 - 1846»، من تعتبر أول مغنية فادر شهيرة، وبذلك انتقلت الفادر من مرحلة التكوين الشعبي اليومي، إلى تتويج عبر المسرح، لتبني مساراً فيما يمكن أن نطلق عليه بتشكيل ذائقة مجتمعية موسيقية تستمع لـ «الفادو»، وتعتبره حالة من تشكيل الفضاء الثقافي والفني في البرتغال، والذي ينتقل عبر الأجيال المختلفة بلا توقف، منطلقاً في البداية من مسألة التسليم والقدرية، مروراً بفترة تمردية في كونه تضمن أغنيات تحمل رغبة حرة في المواجهة والتغير، وصولاً إلى اعتبارها موسيقى روحية تجمع البرتغاليين نحو القبول والتطور.

وهناك نوعان رئيسيان لـ «الفادو» البرتغالية، أولها: فادو لشبونة، وهو الأكثر شهرة، وثانيها: فادو كويمبرا، المرتبط أسلوبه تقليدياً بجامعة مدينة «كويمبرا» البرتغالية، وتغنى حصرياً من قبل الرجال، ويقتبس المغنون فيها سطوراً من الشعر الكلاسيكي، ويحولونها إلى قصائد فولكلورية، يرافقها الغيتار البرتغالي والكمان، والتي تختلف بشكلها عن تلك المستخدمة في فادو لشبونة، يذكر أنه في الخمسينيات من القرن الماضي، قادت حركة جديدة مغنيي «كويمبرا» إلى تبني القصيدة الشعبية والفولكلور، مشكلين فعلاً للمقاومة لعبت دوراً رائداً في الموسيقى الشعبية خلال الثورة البرتغالية في عام 1974.

بالعودة إلى السمة الأسلوبية المعروفة لموسيقى «الفادو»، يلحظ المستمع كيف تتوقف الموسيقى مؤقتاً في نهاية الجملة الموسيقية، حيث يحتفظ المغني بالنوتة من أجل إضفاء التأثير الدرامي، فيها يتحول الصوت إلى حالة مسرحية سردية، كالذي يحدث أحياناً في سرديات الأوبرا العالمية، إلا أن صوت المغني في «الفادو» يبقى حميمياً ومسكوناً بالتعابير الحزينة لطبيعة المخزون العاطفي لـ «الفادو» على مر تاريخيها الموسيقي. ومن بين أبرز الأصوات النسائية أماليا رودريغيز «1920 - 1999»، من كان يطلق عليها (ملكة فادو)، إحدى المُلهمات الرئيسيات في «الفادو» المعاصر، خاصة مع إدراج «الفادو» الحديث للآلات الموسيقية الجديدة، إلى جانب غنائها لشعراء كلاسكيين أبرزهم الشاعر «لويس دي كامويس» من عاش في القرن «16»، إضافة إلى مجموعة من الشعراء المعاصرين، ومن الأصوات الرجالية المؤثرة المغني البرتغالي كارلوس دو كارمو، مواليد 1939، الذي اشتهر بلقب «سيناترا» لبراعته في تأدية موسيقى «الفادو».

وفي الفضاءات الفنية للفنون الانطباعية، قدم الرسام والمعلم البرتغالي José Malhoa، من يعتبر أول رئيس للجمعية الوطنية للفنون الجميلة، لوحة قماش زيتية بعنوان «O Fado» التي أنجزها في عام 1910، والتي لاقت انتقاداً داخلياً في البرتغال، كون اللوحة تصور الجانب الهامشي لموسيقى «الفادو»، لتشتهر اللوحة بدايةً خارج البرتغال، مصورةً ببراعة روح النمط الموسيقي لـ «الفادو»، الذي يعد رمزاً للموسيقى البرتغالية.

ووثق النقاد الفنيون كيف أراد خوسيه التقاط الجوهر الحقيقي لـ fado، ما جعله يجول لفترة طويلة في أحياء «الفاما» و«بايرو ألتو» حتى وجد تلك اللحة الأخاذة لمغني «الفادو»، وجسدها في اللوحة، لتجتمع بذلك مناقشة الموسيقى وأثر الفنون الجميلة في بيان عمقها الوجداني، وجميعها مفاهيم جاءت لإثراء التجربة الجمالية لزيارة الجناح البرتغالي في «إكسبو 2020»، والحديث عن إمكانية الربط بين الموروث الموسيقي البرتغالي، وفهم طبيعة الحياة المجتمعية بمختلف خلفياتها التاريخية التي من شأنها أن تؤسس حالة من التواصل الإنساني في الفضاءات الابتكارية العالمية، وينطلق من خلالها المبدعون والعلماء في مختلف التخصصات، لبناء مشروعات تنموية تدعم مسيرة الحراك الاجتماعي الثقافي.

 

الأكثر قراءة
جميع الحقوق محفوظة لصحيفة الاتحاد 2021©