د. شريف عرفة

حين يأتي الحديث عن «العلاقات»، فإن أول ما قد يتبادر للذهن هو العلاقة العاطفية.. نظراً للأعمال الفنية والأدبية والدرامية التي تعطي هذه العلاقة - على وجه التحديد - وزناً أكبر من غيرها، نظراً لكونها مادة خصبة للإبداع..
إلا أن «الصداقة» علاقة ضرورية لا تتبوأ المكانة التي تستحقها لسبب ما .. فهي علاقة فريدة متكافئة .. محملة بالذكريات المشتركة .. منزهة من المصالح والأطماع .. وقد تمتد طوال العمر صامدة لفترات أطول كثيراً من العلاقة الرومانسية.
فما مدى أهميتها بالضبط؟
وما الدور الذي تلعبه في صحتنا النفسية وجودة حياتنا؟
في دراسة دولية نشرت مؤخراً في الدورية العلمية «فرونتيرز إن سايكولوجي» قام الباحثون بتحليل بيانات استطلاعات رأي «مسح القيم العالمي» التي شملت عدداً كبيراً من البشر - تحديداً 323.200 شخص، من 99 بلد، من بينها أغلب الدول العربية - كي يعرفوا تقييم كل شخص لمدى أهمية علاقة الصداقة في حياته، وعلاقة ذلك بمؤشرات مختلفة لصحته النفسية..
في هذه الدراسة التي تحمل عنوان «أهمية الصداقة حول العالم: روابط للعوامل الثقافية والصحة والرفاهية» وجد الباحثون أن إعطاء الأولوية للصداقات في الحياة، مرتبط بتحسن الصحة الجسدية، وزيادة السعادة.

الصحة النفسية
يقترح الباحثون في هذه الدراسة تفسيراً لوجود علاقة سببية بين مؤشرات الصحة النفسية والصداقة.. حيث يؤكدون أن: «هناك صلة وثيقة بين الدعم الاجتماعي من ناحية، والصحة العقلية والبدنية على مدار الحياة من ناحية أخرى..».
وتضيف الدراسة: «وأحد مصادر الدعم المهمة هم أصدقاؤنا.. حيث يمنحنا الأصدقاء إحساساً قوياً بالرفقة، ويخففون من مشاعر الوحدة، ويساهمون في احترام الذات والرضا عن الحياة، كما يرتبط إدراكنا للدعم الذي يقدمه أصدقاؤنا، بزيادة إحساسنا بالهدف ومعنى الحياة وزيادة الشعور بالتحكم والسيطرة على مجرياتها. كما ترتبط الصداقة أحيانًا بالصحة بدرجة مكافئة، وفي بعض الحالات، بدرجة أكبر مقارنة بالعلاقات الزوجية والعلاقات بين الوالدين والأطفال!».

صديق السوء!
تضيف الدراسة أن الأصدقاء قد يساعدون أصدقاءهم على ترسيخ سلوكيات صحية في حياتهم.. كأن تثير حماسك رؤية صديق يحاول إنقاص الوزن، فيساعدك هذا على اتخاذ خيارات صحية أكثر.. لكن على الرغم من ذلك، ينبغي الانتباه إلى أن الأصدقاء يمكنهم أيضاً نشر الاكتئاب والإحباط والسلوكيات الصحية السلبية، حيث إن هناك دراسات تؤكد أن مخاطر السمنة، والانتحار، والتدخين، وتعاطي المخدرات، تزداد بشكل كبير عندما يحيط بها أقران يعانون من السمنة أو الرغبات الانتحارية والتدخين وتعاطي المخدرات. باختصار، يلعب الأصدقاء دوراً مهماً في صحتنا العقلية والجسدية، حسب طبيعة الأشخاص الذين قررت مصادقتهم.

كيف تكسب الأصدقاء؟
هناك أفكار مفيدة في هذا الصدد..
- أخرج من عزلتك ومارس أنشطة تختلط فيها مع من لهم نفس اهتماماتك.
- لا تكتف بالكلام عن نفسك وتجاربك، بل اعتد سؤال الناس عن آرائهم واستمع لما يقولون، لأن الاستماع الفعال يقوي العلاقات ويعمق التواصل.
- ركز على الاهتمامات المشتركة أكثر من الخلاف وإثارة الجدل لخلق إحساس بالتوافق..
- لا تدعي الكمال.. أظهر هفواتك وعيوبك.. لأن ذلك - حسب دراسات - يزيد الألفة!
- لا تجعل جلسات الأصدقاء مليئة بالشكوى والتذمر فقط، لأن إثارتك للمشاعر الإيجابية تجعلك أكثر جاذبية وتحبب الناس في مجالستك.
- لو كنت مشغولاً، خطط لمقابلة الأصدقاء وخصص لذلك وقتاً واضحاً خلال الأسبوع.
- ساعد صديقاً في أمر يحتاجه.. كأن ترافقه في مشوار ثقيل عليه مثلاً.. سيشعرك هذا بشعور جيد تجاه نفسك ويقوي العلاقة مع هذا الصديق.
باختصار.. تقول الحكمة:
كي تحصل على صديق جيد..
كن - أنت نفسك - صديقاً جيداً!