خولة علي (دبي)

الخجل خصلة محبوبة في حياتنا، إذا ما كانت متوازنة، ولكنه قد يتحول إلى اضطراب مرضي، إذا ما زاد على حده، ليقود الفرد إلى الوحدة والعزلة، والقلق والتوتر وعدم القدرة على مواجهة الآخرين أو التواصل معهم.. وحسب دراسات وتقارير نفسية توجد بعض الشخصيات المحيطة بنا في العمل أو الأسرة خاصة الأبناء أمثلة على تخطي حاجز الخجل، بينما توجد أخرى عانت بشدة. والغريب أن شخصيات شهيرة التي يتعارض مجال عملها مع الخجل.. اعترفت في لقاءات صحفية أن ذلك من أهم عيوبهم ومنهم النجمة العالمية كيم كارديشيان التي أكدت أنها على قدر كبير من الخجل، وأنها ليست كما يصورها الإعلام فتاة صاخبة، كما قالت نيكول كيدمان إنها شديدة الخجل، وقال النجم جوني ديب إنه يعاني الخجل أيضاً.. فكيف يمكن إزالة الخجل المرضي وبناء علاقات اجتماعية إيجابية ومثمرة.

بناء علاقات
فرح الفرض موظفة عانت الخجل، لكنها استطاعت أن تتغلب عليه، حيث قالت عن ذلك: أنا من الشخصيات التي كانت تتصف بشدة الخجل، وكان يكتب في شهاداتي المدرسية أني متميزة ولكن خجولة، وما دفعني لأخرج من دائرة الخجل.. الحياة الجامعية وبناء علاقات مع صديقات محفزات ونشيطات كان لهن الكثير من المشاركات في الفعاليات والمعارض الجامعية والمشاركة في الأندية الاجتماعية وتبادل الرأي، حتى تكونت لدي شخصية جديدة أكثر انفتاحاً.  ولم تكن حورية عبدالله، ربة منزل، قادرة على تجاوز هذه الصفة التي كثيراً ما شكلت لها نوعاً من التردد في الكثير من المواقف والأحداث في حياتها، حيث توضح: بقدر ما تضفيه هذه الصفة من جمال على شخصية المرء، بقدر ما نجدها في بعض الأحيان عقبة في التعامل مع من حوله، سواء في العمل أو حتى في نطاق  الحياة الاجتماعية، مما يؤثر سلباً خاصة في العمل.. وربما أنا واحدة من الذين ينتابهم لحظات من الشعور بالخجل عند الرغبة في التعبير عن أمر ما أو حتى الدخول في نقاش، ولكن أصبحت أعلم نفسي وأهيئها شيئاً فشيئاً للخروج من إطار الخجل، خصوصاً في الأمور التي تحتاج مني إلى رأي، فلا بد أن أعبر عنه وأظهره دون خجل أو تردد.

مواقف
ويؤكد عمر جمعة موظف أن الخجل صفة محبوبة، لربما عندما تكون بمقدار معين وفي ظروف محددة، ولكن ليس في كل وقت ومكان، ففي بعض الموقف يتطلب من الفرد أن يكون أكثر جرأة فيها عندما نحاول أن نعطيه بعض المهام والمسؤوليات، فلا بد أن يكون أهلاً لها، لا أن يرمي إخفاقه وفشله خلف الخجل، وقال: شاهدت الكثير من الأصحاب ينتابهم للحظات الخجل في بعض المواقف، التي تتطلب الحزم والقوة فيها. 

  • ندى فنري
    ندى فنري

موقف
تشير ندى فنري، مستشارة تربوية أسرية، إلى أنه يمكن تعريف الخجل بأنه عدم إحساس الفرد بالراحة عند التواجد مع أشخاص آخرين، لأنه لا يحمل أفكاراً إيجابية عن نفسه مما يؤثر على سلوكياته، بما أن الخجل يجعلنا نركز على نقاط الضعف، وقد يكون ذلك لسبب تعرضنا له في الطفولة من موقف أثار الضحك أو إهانة على قول أو سلوك، وأيضاً الخوف من أحكام الآخرين يولد ردة الفعل بالخجل والتردد أثناء مواجهة الناس.. لأن الشخص لديه معايير ومعتقدات وأفكار وحتى مشاعر مختلفة، وقد تكون هذه المشاعر بسبب قلة احترام الذات والشعور باللوم، والذنب مقارنة بالآخرين. 
وتضيف: عادة ما يشعر الناس بالخجل في مراحل حياتهم المختلفة وطبعاً هو ليس مرضاً في كل الأحوال، إنما ظاهرة نفسية تسبب العديد من المشاكل وتؤثر على مقدرة الفرد في صنع العلاقات الاجتماعية وأيضاً على أدائه في العمل، وقد تظهر على الشخص الخجول بعض الأعراض منها ارتفاع درجة الحرارة واحمرار الوجه والشعور بعدم القدرة على التعبير والكلام، وتتزايد دقات القلب والرعشة في اليدين، وقد يشعر بجفاف. 
وللتخلص من الخجل توضح: لا بد من تدريب النفس على التصرف بثقة وإيجابية أثناء التفكير، والتعلم من الأشخاص غير الخجولين من خلال مراجعة تصرفاتهم وانفعالاتهم تجاه المواقف المختلفة التي يواجهونها، والعمل على برمجة العقل الباطن ليقاوم الخجل والاقتناع بأهمية التغيير الإيجابي، ويبدأ الشخص في محاولة التخلص من الخجل بالدائرة المقربة من العائلة، والأصدقاء ويتشجع في ممارسة السلوكيات الاجتماعية من نقاشات وطرح أسئلة وتبادل وجهات النظر، مع عدم الشعور بالذنب واستغلال الفرص للتحدث، مع استعمال أساليب تخفف الخجل والتوتر مثل التحدث ببطء والتنفس بعمق، مما يساعد على الهدوء والثقة أمام الآخرين واستغلال الفرص المناسبة بمشاركة الآخرين اهتمامهم، فهذا يساعد على التغيير تدريجياً بطلاقة ومن دون خجل، حتى لا يؤثر على التقدم الوظيفي والمهني، وتكرار المحاولات ليزول مؤثر الخجل، وعدم الاستسلام والتحفيز طريق للنجاح وتجاوز الخجل.

  • محمد أحمد
    محمد أحمد

ضبط السلوك 
وأوضح محمد أحمد، أخصاصي نفسي، أن الخجل أو الاستحياء من الشيم الفاضلة التي يتميز بها الشخص، ويعتبر مضرب مثل وعلامة على رقي صاحبه، وهو من الأمور التي تضبط سلوك الإنسان، لكن هذا الخجل إذا كان مبالغاً فيه قد يتحول إلى مرض نفسي واجتماعي يعانيه صاحبه وتتوقف عجلة حياته بطريقة لا يستطيع معها التأقلم مع الآخرين والاندماج معهم، ويبدأ في الانطواء على نفسه، إما خوفاً من الخطأ أمامهم، أو بسبب اعتقاده بنقصه أمامهم وأنه أقل منهم قدرة ومهارة، ومن هنا تبدأ أعراض الخجل في الظهور عليه، حيث يرتبك عند الحديث أمام الناس في المناسبات، ويتلعثم عند الكلام ويحمر وجهه ويتعرق، ولا يحسن التعبير ولا ترتيب ما يقول، فيبدأ الخوف يدب في نفسه ويزداد اعتقاده بالنقص، فيلجأ لتجنب الظهور والحديث في أي مناسبة أو موقف يتطلب منه التعبير عن رأيه أو إظهار وجهة نظره أو التعريف عن النفسية، يمكن علاج هذا الخجل حسب درجته ونوعه، فإذا كان الخجل خفيفاً يمكن علاجه بالتدريب على مهارة الإلقاء أمام المتدرب تدريجاً، ثم أمام عدد قليل من الحضور، وكذلك التدريب على مهارة رفع ثقة الفرد بنفسه وشعوره بقيمته وبمهاراته عن طريق تغيير طريقة التفكير.

فكر وسلوك
يوضح د. علي الحرجان طبيب نفسي، أن الخجل هو شعور وفكر وسلوك يصاب فيه الفرد، نتيجة التربية والتنشئة، فهو اضطراب يصيب الإنسان، وهي صفة مكتسبة، تظهر على شكل فكر وسلوك، وتعود أسبابها إلى عوامل التنشئة والتربية، وهو طفل عندما يتواجد في بيئة أسرية قمعية، لا يجد فيه حرية التعبير، إنما التعنيف القوي والشديد على أي سلوك قد يبدر منه، والنقد الكثير والتي يتلقاها من أبسط الأمور، مما لا يجد الطفل متنفساً له في التعبير خوفاً من أن يتعرض لأي انتقاد، فنجده ضعيفاً من أن يواجه الآخرين، بآرائه أو أفكاره خوفاً من الوقوع في الخطأ أو حتى الإحساس بالفشل، والأمر لا ينطبق فقط على محيط الأسرة فقط، وإنما المدارس أيضاً مسؤولة في خلق صفة الخجل وغرسه في الطلبة، وعندما يتعرض الطالب لسيل من الكلمات والألفاظ السلبية، كنعته بالغباء ومعاقبته بطريقة مشينة أمام زملائه، فيقتل فيه الرغبة في الحديث والمشاركة، وخوفه وخجله من مشاركة الآخرين، فيفقد الثقة في نفسه، فيصبح أسير الخجل الذي يفقده مهارة التواصل مع الآخرين.

  • علي الحرجان
    علي الحرجان

القلق الاجتماعي
أوضح الدكتور علي الحرجان أن التنشئة التي تعتمد على الممنوع والصرامة مع الأطفال من شأنها أن تؤثر عليهم مستقبلاً، سواء في علاقاتهم الاجتماعية وحتى العملية، فلا يستطيع مواجهة الحياة وتقبل الأخطاء، مما يولد لديه الخجل المرضي والذي يطلق عليه القلق الاجتماعي، ومن أعراضه التلعثم، وأعراض التعرق زيادة ضربات القلب، وارتجاف الأطراف، وعادة هذا الخجل كثيراً ما ينتشر في بعض المجتمعات المتشددة.
 وقال: إذا كان الخجل شديداً، حيث يتأثر الفرد ويحس بالتلعثم والخوف لمجرد الحديث مع الآخرين في الهاتف، فهنا يجب اللجوء لطبيب النفسي لوصف بعض العقاقير التي أثبتت كفاءتها في هذا المجال، والتي تساعد في عودة المصاب بهذا النوع من الخجل إلى حياته الطبيعية بشكل أفضل دون أن يخسر نفسه ويكون سجيناً لهذا الخوف والخجل المرضي.