خولة علي (دبي) 

«المنصورة» أحد فرجان قرية مصفوت في عجمان، والذي تحضنه الجبال وتحرسه القلاع والحصون الموزّعة أعلى مرتفعاتها، عاش أهله على الزراعة ورعي المواشي لكثرة الأودية المحيطة به، وكانت مياهه تندفع من أعالي الجبال لتسقي مزارع النخيل وتروي أرضه الخضراء اليانعة. 

  • البدواوي بين أبنائه (إحسان ناجي)
    البدواوي بين أبنائه (إحسان ناجي)

يسترجع الوالد علي سعيد البدواوي، ذكرياته في فريج «المنصورة»، حيث كان يتألّف من عدّة بيوت بسيطة لا تتعدى 15 بيتاً، تجمع أهله علاقة القرابة والنسب، لافتاً إلى أن التصاق البيوت ببعضها وتزاحمها، نتجت عنه الألفة والترابط. وكانت حياة أبنائه مشتركة بين الكبار والصغار، وكانت النفوس بسيطة ونقيّة ومتعاونة فيما بينها، تطوِّقها قيَم مجتمعية واحدة، قائمة على قصص محبّبة من عاداتنا السامية حيث كان العيش يسيرعلى وتيرة واحدة.

  • جانب من الأراضي الغنّاء
    جانب من الأراضي الغنّاء

تكاتف وتعاون
وأوضح البدواوي أنه ونظراً لانتشار أشجار النخيل في مزارع الفريج ضمن القرية الغناء، كانت النخلة تهب للسكان الكثير من مستلزماتهم اليومية. وكان غذاؤهم من رطبها وتمرها، ومساكنهم من سعفها ودعونها، فيما نسجوا أدواتهم من خوصها فجاءت السلال والبسط و«السرود»، و«المشب» الذي يُستخدم في تغطية الطعام، و«القفة» والمدخنة والمهفة والجفير، وسواها من القطع التي تفنن الأهالي في صناعتها. 
واعتبر أن المشهد الرائع الذي لطالما انتشر بين أحياء الفريج، هو التعاون والتكاتف بين أبنائه في معظم الأعمال وخصوصاً عند بناء المساكن حيث يهب الجميع للمساعدة في رفع عمود البيت، وتهيئة المكان للسكن الآمن بما يضمن الخصوصية لصاحبه.

عامرة بالمحبة
 وذكر البدواوي أنه على الرغم من كون البيوت بسيطة جداً في مظهرها، إلا أنها كانت عامرة بالمحبة والسكينة، ما أثّر بوضوح على السنع وتربية الأبناء، بحيث لا يخرج الطفل بسلوك غير مقبول، إلا ويجد من يقوِّم سلوكه من أهالي الفريج. 
وقال: لم تكن الأسرة فقط من تربّي، وإنما أهالي الفريج بأكمله، وهذه الصفة لربما بدأت تتلاشى، نظراً لحياة التمدّن التي اجتاحت القرى بعدما اكتسبت الحياة صبغة مختلفة.

  • مزارع «مصفوت» حيث يقع فريج «المنصورة»
    مزارع «مصفوت» حيث يقع فريج «المنصورة»

مياه جوفية
أضاف: نظراً لطبيعة قرية مصفوت الجبلية وتربتها الخصبة وكثرة أوديتها والمياه الجوفية فيها، عمل أهالي «المنصورة» والفرجان الأخرى في المنطقة على الزراعة وتربية الحيوانات، فحقّقوا الاكتفاء الذاتي، وكانت بعض هذه المحاصيل تصدَّر للمناطق الساحلية. وبسبب وعورة الجبال وعدم وجود طرق ممهّدة أو حتى مواصلات، كان الناس يسعون خلف حاجاتهم على الحمير أو سيراً على الأقدام. وكانت عُمان في تلك الفترة الأقرب لاستيراد السلع، ومع توافر المواصلات وسيارت الدفع الرباعي بدأ السكان يتجهون نحو أسواق دبي بغرض التسوّق.

العيد في الفريج
لعيد الأضحى نكهة خاصة في فريج «المنصورة»، حيث يبدأ اليوم الثاني من العيد بطقوس شوي اللحم، وذلك عن طريق دفنه تحت الأرض ليوم أو يومين في حفرة عميقة أسفلها جمر من حطب السمر. ويكون ذلك بعد تبهير اللحم ولفّه جيداً بورق الموز و«الخصفة» المصنوعة من سعف النخيل، بحيث لا تخلو البيوت من رائحة الشواء خلال أيام العيد.

أرض صلبة
تميّز فريج «المنصورة» بوقوعه في قرية مصفوت المعروفة بأرضها الصلبة، والتي احتضنت عدة فرجان شكّلت مجتمعاً مترابطاً ومتماسكاً تحكمه القيّم والعادات التي اتخذها الأهالي منهجاً لحياتهم وعلاقاتهم الاجتماعية.