كُنَّا جالسين في المقهى حين راح يشكو لي من كل شيء. كان يشرح لي كيف أن مديره يتعامل معه بطريقة فظة.. وزوجته لا تعير رغباته اهتماماً.. وأطفاله لا يحترمون عمله ويبعثرون أوراقه.. كان كل شيء لا يسير على ما يرام، وكان يبذل مجهوداً ذهنياً كبيراً في إثبات ذلك. 
كثيراً ما نحتاج لإزالة ثقل نفسي عن كاهلنا بالفضفضة والبوح.. هذا مريح بالطبع، فلا ينبغي أن نكتم بداخلنا كي لا ننفجر.. لكن هذا التنفيس لا يكفي.. ليس الحل الوحيد. 
-- يُرضي مَن هذا؟ هل هذا تصرف يليق؟ 
هكذا راح صديقي يردد متسائلاً في استنكار.. بالطبع هذه التصرفات السلبية التي يتعرض لها لا ترضي أحداً.. ولا أظنه يتوقع أن أجيبه بأن هذا يرضي فلان الفلاني، فاذهب واقنعه بالعكس.. مشكلة ما يتعرض له هو أنه لا يهم أحداً سواه.. إنها حياته.. وهو المسؤول عنها والمعني بها، وأقرب الناس للإمساك بخيوطها..
الشكوى ليست الحل لصغائر الأمور وتفاصيلها.. 
وراحة البوح لا تنفي استمرار المشكلة!
كثير من الناس اعتادوا على الشكوى كنوع من التحضر والتهذيب.. حين يتنمر طفل على ابنك تنصحه بإبلاغ المعلمة، وهذا هو الصواب بالطبع.. لكن حين نكبر نحتاج لمهارة أخرى غير التفنن في الإقناع ببراءة موقفنا واستدرار التعاطف، نحتاج مهارة التصدي والمواجهة.. ليست كل المواقف فيها معلمة في المدرسة يمكنها أن تذهب وتأتي لنا بحقنا.. لن تعاقب شريك حياتك الذي يتصرف معك بطريقة لا ترضاها.. أو تنهر زميل العمل الذي يلقي عليك مهام عمله ويتهرب من المسؤولية.. ولن تستدعي ولي أمر الشخص الصاخب في السينما الذي لا يراعي آداب المكان.. تحتاج أن تتخذ أنت زمام المبادرة وتتدخل معبراً عما تريد أو لا تريد. 
ما نحتاجه في كثير من سياقات حياتنا هو الحسم.. وتوكيد الذات.. أن تعبر عن احتياجاتك ورغباتك بوضوح وتدافع عنها.. لا تتوقع من الحياة أن تدلّلك وتسير على هواك لمجرد أنك شخص طيب.. يشبه الأمر - كما قال صديقي الأديب أحمد خالد توفيق - إن يقابل الشخص أسداً، فيتوقع ألا يهجم عليه لمجرد أنه نباتي! لن تكون الحياة لطيفة معك وتسير على هواك لمجرد أن نواياك طيبة.. لا تتوقع من الناس أن يكونوا لطيفين مالم تكن قادراً على إيقاف من يتجاوز عند حده.. ولا تتوقع أن يقرؤوا أفكارك ويفعلوا ما تريد من دون أن توضحه لهم.. كان يمكن لصديقي الجالس على المقهى أن يبادر ويتفاوض مع زوجته على الوضع الذي يرضيهما معاً، ويضع التدابير لأولاده كي لا يمزقوا أوراقه، ويسعى لحلول واقعية لمشاكله في العمل.. أن يتخذ عقلية الفعل والحل، لا الهروب من المواجهة والاكتفاء بإثبات أنه مغلوب على أمره. 
هناك أناس يعيشون حياتهم بمنطق رد الفعل.. لا يعتقدون أن زمام حياتهم في أيديهم، بل يميلون للشكوى واستدرار التعاطف لإثبات أنهم يستحقون أفضل لعل الدفة تنعدل من تلقاء نفسها.. بينما هنا أناس يقبضون على المقود ويوجهون حياتهم بأنفسهم.. يعبرون عن رغباتهم لمن حولهم ويسعون لحل مشاكلهم بأنفسهم ويعترضون على التجاوز في حقهم.. 
حين تواجه مشكلة في حياتك.. 
بأي طريقة من هاتين تفكر؟