وائل بدران (أبوظبي) 

عندما نسبت كامالا هاريس نائبة الرئيس الأميركي جو بايدن، الفضل إلى والدتها شيامالا جوبالان، الهندية المهاجرة، في خطاب فوزها في الانتخابات الرئاسية الأميركية، استبشرت الجالية الهندية الأميركية فرحاً واحتفلت ابتهاجاً بتلك اللحظة التاريخية. 
ومع الصعود السياسي لهاريس، وجد الأميركيون من أصول هندية في الولايات المتحدة أنفسهم ممثلين على صعيد عالمي، واعتبروا أن واحدة منهم أصبحت أقوى امرأة في أقوى دولة بالعالم، وإلى جانب صعودها الصاروخي إلى السلطة، قفزت التوقعات إلى مستويات قياسية أيضاً. 
ويؤكد قادة ونشطاء سياسيون ومسؤولون وغيرهم من الجالية الأميركية الهندية تزايد الأحاديث حول دور هاريس في الاستجابة وما إذا كان ينبغي أن تبذل مزيداً من الجهود، بينما ترزح دولة المليار نسمة تحت وطأة سباق الموت جراء تسونامي الموجة الثانية لوباء «كوفيد-19».

وبعد وقت قصير من إدلائها بخطاب في السابع من مايو يشرح بالتفصيل جهود الإدارة الأميركية الرامية إلى التصدي لموجة «كورونا» في الهند، أجرت هاريس اتصالاً حول تفشي الفيروس، لكنه كان مع خالها وخالتها في موطن والدتها الهند. 
وأخبراها بأنهما بصحة جيدة، لكنهما أوضحا أن جميع من يعرفونهم تقريباً لديهم صديق أو قريب يعاني العدوى، حسبما أكدت مصادر على اطلاع بالمحادثة لصحيفة «واشنطن بوست».
وباتت هاريس، التي تعتبر أعلى مسؤول من أصول هندية في تاريخ الولايات المتحدة تواجه مسألة شخصية وسياسية في آنٍ واحد، وفي ضوء ذلك يبدو حكم الجالية الهندية عليها متبايناً. 

خطوة عملاقة
في الولايات المتحدة، حيث تتوافر اللقاحات، حصل الأميركيون المطعّمون الآن على الضوء الأخضر بالتجمع من دون الحاجة إلى أقنعة في كثير من الأماكن، وهي خطوة عملاقة نحو العودة إلى الحياة الطبيعية، وأما الدولة، التي تركتها والدة هاريس عام 1958، فلا تزال تعاني برنامج تطعيم مضطرباً، بينما انهار النظام الصحي تحت الضغط، ويموت آلاف الأشخاص يومياً، فيما طفت مئات الجثث في نهر الجانج.

وبين هذين العالمين، تجد السياسية الفذة نفسها محاصرة، فهي أول امرأة وأول شخص من ذوي البشرة السوداء وأول شخص من أصول آسيوية يصل لمنصب نائب الرئيس الأميركي، فيما قضت حياتها المهنية تحاول الابتعاد عن تعريف نفسها من خلال هويتها فقط، هل هي هندية أم لا؟

خيبة أمل
لم تتحدث هاريس كثيراً عن المأساة في الهند علانية، بل إن تعليقاتها القليلة المقتضبة جاءت أثناء الحديث عن موضوعات أخرى، وقلما أشارت إلى ارتباطها الشخصي بالهند أثناء الأزمة. 
وربما يختلف الأميركيون من أصول هندية بشدة حول كل شيء من صعود القومية الهندية إلى الأوضاع السياسية، لكن الكارثة الصحية التي تسبب فيها وباء «كورونا» وحدهم في الأسى، ويتطلع كثير منهم إلى نائبة الرئيس التي تتشارك معهم الأصول والمخاوف.
وبعض هؤلاء خاب أملهم لأنها لم تكن أكثر مناصرة، خصوصاً بعدما احتفت بهويتها أثناء الحملة الانتخابية لجذب الناخبين الأميركيين من أصول هندية للتصويت في انتخابات عام 2020.

ويقول سوجاثا شينوي، الطالب في جامعة شيكاغو الذي كتب مقالاً عن صمت هاريس المبدئي بشأن الأزمة: «يُظهر لنا ذلك حدود التمثيل السياسي»، مضيفاً: «إذا كنت تقول إنك تمثل هذه الفئة المحددة، فعليك أن تقف إلى جانبهم عندما يعانون». 
وأما أديتي خارود، البالغة 22 عاماً، وهي خريجة جامعة نورث كارولينا، فتقول إنها فرحت بصعود امرأة من أصول هندية إلى منصب نائب الرئيس، لكن ذلك لم يُشكل فارقاً في معاناة الهند. 
واعتبرت أن هاريس ربما كان ينبغي أن تسعى مساندة الهند بدرجة أكبر، خصوصاً أن لديها عائلة هناك. 
ويرى المنتقدون أنه كان يمكنها استغلال منصبها في جذب مزيد من الانتباه إلى مأساة الهند، ورغم أنهم يقرون بجهود الإغاثة التي بذلتها الإدارة الأميركية، لكنهم يعتقدون أن هاريس كان ينبغي عليها الضغط بدرجة أكبر لمشاركة اللقاحات مع الدول الأخرى، والاستفادة من قصتها الشخصية في تقليص مبدأ «أميركا أولاً».

اختيار خاطئ
يعتبر فريق من الأميركيين من أصول هندية أن الانتقادات الموجهة هاريس التي تشير ضمناً إلى أنها ممزقة بين مصالح أميركا واحتياجات الهند تصف اختياراً خاطئاً.

ويقولون: إن إجراءات هاريس بشأن الهند محددة فقط بأجندة الرئيس بايدن، كما كانت ستصبح في حالة شغل أي شخص آخر لمنصب نائب الرئيس.  ويعتقد بعض أنصار هاريس أن أي سياسي يحظى بقاعدة تأييد وطنية واسعة، يمكن أن يخسر شعبيته إذا ما أصبح مناصراً قوياً عن مجموعة معينة. ويقول شارين بونيان، الذي شارك في جمع التبرعات لمصلحة هاريس أثناء حملتها لتولي منصب المدعي العام لولاية كاليفورنيا في 2010: «أعتقد بصفتي أميركي من أصل هندي أنه الشيء الأكثر نفعاً هو أن تصبح نائبة رئيس مميزة، فذلك يجعلنا أكثر اندماجاً كهنود في المجتمع الأميركي الواسع، وليس علينا أن نبدو وكأننا مختلفون».

البحث عن الذات
في كتابها عام 2018، أشارت هاريس إلى إرثها الهندي، وروت تجربة نشأتها ثنائية العرق في منطقة خليج سان فرانسيسكو. لكن في الحوارات الصحافية أكدت أنها لم تمرّ أبداً برحلة البحث عن الذات التي مر بها الرئيس الأسبق باراك أوباما، باعتباره نجل امرأة بيضاء من كنساس وأب من ذوي البشرة السوداء من كينيا، كما وصف في مذكراته.

وأم هاريس، شيامالا جوبالان، التي وصفتها نائبة الرئيس بأنه كان لها أعظم تأثير في حياتها، ولدت في مدينة شيناي على الساحل الشرقي الجنوبي للهند. وتخرجت في جامعة كاليفورنيا، والتقت والد هاريس، وكان خريجاً حديثاً من جامايكا، في فاعلية للحقوق المدنية. 
وكانت هاريس تزور الهند مع والدتها وشقيقتها كل عامين، أثناء نشأتها، فيما كانت تمارس شعائرها الدينية أثناء طفولتها في معبد هندوسي وكنيسة للسود. 
وأيّاً كانت هويتها، فبعض النشطاء الأميركيين من أصول هندية يقولون إنها ليست مضطرة لاتخاذ موقف معين، مشيرين إلى أنه لا يطلب من بايدن، على سبيل المثال، إبداء رأي ذي صلة بأيرلندا، نظراً لأصوله الأيرلندية.

دور مهم
أكد مسؤولان في الإدارة الأميركية، على دراية بأنشطة هاريس، أن نائبة الرئيس لعبت دوراً مهماً في المحادثات الداخلية في البيت الأبيض بشأن الأزمة الهندية.

وأشارا إلى دورها في معظم المحادثات رفيعة المستوى حول الاستجابة للأزمة، بما في ذلك إرسال الأكسجين والأدوية وأجهزة التنفس الاصطناعي وأدوات الحماية الشخصية، إضافة إلى المواد الخام اللازمة لتصنيع اللقاحات، إلى شبه القارة الهندية.
ومؤخراً أيدت الإدارة الأميركية مقترح منظمة التجارة العالمية بإسقاط حقوق الملكية الفكرية عن لقاحات «كورونا»، بما يسمح لدول مثل الهند بإنتاج سريع لهذه اللقاحات. ويرجع ذلك تأييد بصورة ما إلى حقيقة أن مجتمع الأميركيين من أصول هندية آخذ في الاتساع، فقد نما إلى أكثر من 4.5 مليون شخص مقارنة بمليونين فقط قبل عقدين، ومعظمهم يميل إلى الحزب الديمقراطي.