لكبيرة التونسي (أبوظبي)

عندما يتحدث سنان خادم راشد المهيري عن فريج «آل بومهير» في البطين في أبوظبي، فإنه يتحدث عن تاريخ أصيل وماض ضارب في عمق التاريخ. شريط من الذكريات عَبَر من خلاله على محطات حياته في فريج جمع أهله على المحبة والتعاون، من الطفولة وصولاً للحاضر، مناسبات وتفاصيل، وحياة اجتماعية واقتصادية، ضاجة بالأحداث، اتسمت بالبساطة والترف في آن واحد، حتى لم يكن بينهم جائع ولا محتاج، رزقهم من البحر والزراعة ومساكنهم خيام، عاشوا على الغوص وصيد السمك، أعراسهم تدوم أسبوعاً، وأعيادهم كرنفال من البهجة والفرح، أهله كرماء، بيوتهم ومجالسهم مفتوحة للجميع.

  • سنان خادم راشد المهيري (محمد البلوشي)
    سنان خادم راشد المهيري (محمد البلوشي)

اتخذ فريج«آل بومهير» اسمه من أهله الذين عرفوا بالمهارة والشجاعة، كان رزق أهله  من البحر، كما عملوا في مزارعهم وتربية  الأغنام و«البوش»، أما مقيظهم في العين الذي كان يدوم أكثر من 3 أشهر ليعودا لديارهم محملين بالرطب والتمر، أما مؤمنة أهله من الأسواق الشعبية وسوق أبوظبي القديم، مارسوا الصيد وصناعة السفن وبناء البيوت والحرف المرتبطة بالزراعة.
 سنان المهيري يسرد الحكايات التي توارثها أجداده وتناقلوها، معتزا بانتمائه لفريج «آل بومهير» الذي قال إنه اتسم بترابط الأسر وتكاتفهم فيما بينهم وتعاونهم واندماجهم، رغم أن بعضهم، لم يكن من نفس القبيلة، مما أدى إلى نشوء علاقات قوية فيما بينهم ساعدت في ظهور سمة هذا الفريج، مؤكداً أن الفريج تميز بالروح الاجتماعية وتقارب الخيام.

رحلة القيظ
قال المهيري: كنا نلعب ونركض ونحن صغار، على شاطئ البحر، وأيام الصيف كنا نذهب للمقيظ في العين، حيث كانت الجمال تتحمل بالمؤونة وما نحتاج إليه ونتوجه إلى جسر المقطع الذي منه تنطلق القوافل إلى مدينة العين، حينها كنا ننتظر هذه الفرصة بفارغ الصبر، ونعد العدة لها طوال السنة، ونحن أطفال، كما يستحضر المهيري ذكريات الطفولة في فريج«آل بومهير»، ويذكر قصصاً وحكايات وتفاصيل ربطته بالمكان، حيث يعيد له شاطئ البطين صوراً من الطفولة وهو يلعب بالرمال ويركض إلى جانب أصدقائه مبتهجين بجمال طبيعة  المكان. 

رمضان يوحدنا
عاش أهل فريج «آل بومهير» في ترابط وتكافل طوال السنة، تعلو هذه القيم خلال المناسبات الدينية، ومنها الشهر الكريم، حيث يزداد التلاحم والتعاون بين الأهالي، فلا تلبث نساء الفريج في تقديم الفزعة لجاراتهن، وتبدأ النساء في هذه المهمة قبل رمضان بأسبوعين، حيث يجتمعن لتحضير حب الهريس، وذلك بتنظيفه من الشوائب ودقة ووضعها في أوعية لحفظه، كما يحضرن القهوة التي لا تخلو منها البيوت قديما، وكانت النساء تتبادل المؤونة فيما بينهن ويجتمعن لمساعدة بعضهن بعضاً، وحينما يأتي الضيف فإن النساء تهب لمساعدة بعضهن، وتقديم الضيافة. وأوضح المهيري أن نساء الفريج كانت تعمل على إعداد الأكلات الشعبية لتزين مائدة الإفطار في رمضان، من الثريد والهريس وغيره من الأكلات الشعبية، وبخلاف الأطعمة الأخرى من حلويات الرمضانية التي ما زالت السفرة الإماراتية محافظة على تواجدها، فعملية الإعداد لهذه الأطعمة قبل رمضان من الأمور التي كانت تحرص عليها المرأة قديما من خلال طحن الحبوب بأنواعها، وحفظها لرمضان، إلى جانب إعداد البهارات، ورغم أن هذه العملية تأخذ الوقت والجهد الكبير من المرأة، إلا أن ما يجعل هذه المهمة ممتعة هي معاونة نساء الفريج لبعضهن البعض، وخلال رمضان تبدأ رحلة تعاون من نوع آخر، حيث لا يحلو طعام الإفطار إلا بالتجمعات وتشارك ما لذ وطاب من مأكولات، حيث لم يكن يأكل الجار في بيته، لأن مجتمع الفريج بني على المشاركة، حيث نجد الأبواب مشرعة أمام تبادل الأطباق بين أهالي الفريج، ويجتمع رجال الفريج في المسجد للإفطار فيه بعد أن يأخذ كل رجل فطوره ليتشارك به مع رفاقه وأهل حيه، ويعلو الذكر في المساجد وقراءة القرآن.

منصة اجتماعية
أكد المهيري أن من سمات فريج «آل بومهير» غيرتهم على بعضهم وتعاونهم، موضحاً أن المجالس كانت تشكل منصة للتشاور وتبادل أطراف الحديث والاضطلاع على أحوال الصيد ومناقشة أمور الفريج، وأحوال االبلاد، ومازالت هذه العادات قائمة إلى اليوم، حيث كان الفريج يلعب دوراً اجتماعياً كبيراً في حياتهم، أما أعراسهم فتدوم أسبوعاً كاملاً، تحييها فرق العيالة والحربية وتتزين بركض بسباقات القوارب وركض الخيل .

تجهيزات
بالحديث عن عيد الفطر قال المهيري في منتصف رمضان نبدأ بتجهيز ساحات العيد نجهز«المريحانات» بينما تعد النساء الحناء، ونشتري الذهب للفتيات الذي كان يعد من ضرورات العيد،  ويصل الاحتفاء أوجه يوم العيد، حيث يتحول الفريج إلى مهرجان يدوم أكثر من أسبوع   وبعد ظهر اليوم الأول تبدأ زيارة الأقارب وأبناء العمومة، وفي الثاني بزيارة الجيران القاطنين بالفرجان الأخرى، ونتبادل الزيارات، ونتناول الأكلات الشعبية من الحلوى والخبيص والهريس والمكبوس ولقيمات وأنواع خبز، وفي الثالث تبدأ الاحتفالات   ويقام ما يشبه حاليا المهرجان، تنصب «المريحانات»، ويستمتع الأطفال بممارسة الألعاب الشعبية، أما العيدية فكانت تمثل للأطفال سعادة لا توصف مع أنها لم تكن تتجاوز ربع أو نصف روبية .