لكبيرة التونسي (دبي)

عندما تتحدث خديجة ربيع راشد المسماري عن فريج «المنامة» في دبي، تستعيد تاريخاً عريقاً، وتستحضر حياة الطفولة والصبا والشباب ببهجتها وسعادتها. حيث لا تزال تحتفظ بذكريات ارتبطت بحياة البساطة ضمن مجتمع ساده الترابط. تثير  خديجة المسماري ذكريات الماضي، وتتحدث عن دفء علاقاته الاجتماعية والعادات الأصيلة للمجتمع المحلي. تسرد قصص الماضي التي ما زالت تتجسد أمامها، ومنها أحاديث الجدات والأمهات، ولعب الأطفال، في «سكيك» الفريج الذي ما زال جزء من بيوته صامداً حتى اليوم.

الأخوة والمحبة
أكدت خديجة المسماري أن فريج «المنامة» جمع الناس على المحبة الصادقة، لم ينتموا إلى عائلة واحدة، وإنما وحّدتهم الأخوة الصادقة، موضحة أن العلاقات الاجتماعية في الفريج تميزت بمتانتها، قوامها التراحم والود والاحترام، لم يكن بينهم غرباء، مما ساهم في توفير أعلى درجات الطمأنينة والاستقرار، حيث كان الجميع يراعون بعضهم.

بينما شكل قربه من سوق نايف، الذي كان يطلق عليه في السابق سوق الصنادق، وسوق مرشد وسوق السبخة، فرصة للتسوق في أجواء حيوية، مؤكدة أن معظم سكانه كانوا يحبون المشي في «السكيك»، نظراً لتوسطه لمختلف المناطق وقربه من البحر، لافتة إلى أن طفولة أبنائه كانت سعيدة جداً، حيث يذهب الأطفال إلى البحر، ويمارسون الألعاب الشعبية، بينما النساء والرجال يجتمعون في البراحة ويتسامرون ويتشاركون الطعام، حيث يعتبر الفريج بيتاً مفتوحاً للجميع. 

يد واحدة
وأشارت خديجة المسماري إلى أن «المنامة» في السابق، كما روت لها والدتها وجدتها كان عبارة عن عرشان، لكن فيما بعد تحول إلى بيوت شعبية، بينما كان الماء يجلب على الرؤوس، وكانت النساء يجتمعن في مكان واحد ويمارسن الصناعات اليدوية التقليدية، من خياطة وتلي وخوص، كما يتشاركن في إعداد البهارات والقهوة وطحن حب الهريس . أما الذهاب إلى السوق، فكان جماعياً أيضاً. 

ترابط اجتماعي
وأكدت أن المسجد كان يلعب دوراً اجتماعياً، إضافة إلى أداء الصلوات وصلاة التراويح. وفي رمضان، يساهم أهل الفريج في تقديم الطعام والافطار معاً في المسجد. وكان مقراً لتحفيظ القرآن الكريم للصغار، مشيرة إلى أن رواد المسجد كانوا يتفقدون بعضهم بعضاً كل يوم، ومن لم يحضر الصلاة يزورونه إن كان مريضاً. ويضم الفريج بقالة لبيع الاحتياجات اليومية، إضافة إلى المخبز والإسكافي. 

رمضان
بالحديث عن أجواء الفريج في رمضان قالت إنه يتحول إلى بهجة دائمة، تستمر إلى ما بعد عيد الفطر، تُعِد النساء مؤونة رمضان، ويتبادل السكان الأكلات الشعبية قبل أذان المغرب.

أعياد
وخلال شهر رمضان، تبدأ النساء في تجهيز ملابس العيد، حيث كن يخطن بأنفسهن، موضحة أن الأطفال كانوا ومن شدة الفرح بملابس العيد يضعونها تحت الوسادة، حيث أشارت خديجة المسماري إلى أن عيد الفطر كان يمثل حلماً لجميع الأطفال وبهجة وسعادة، ويتحول الفريج إلى ساحة للفرح، تتحنى النساء والفتيات، إذ لم تكن هناك صالونات للتزيين، ما جعل الأمهات يقمن بهذا الدور، وتخضيب أيادي الفتيات بالحناء، ولفها في خرقة، وفي الصباح الباكر يمشطن شعورهن، ويعقصنها، تمهيداً لارتداء الملابس الجديدة. وبعد صلاة العيد، يعود الجميع إلى البيت لتناول الأكلات الشعبية، مثل البلاليط والهريس والثريد والمكسرات والأناناس المعلّب والخوخ وساقو والبسكويت وسواها من الأطايب. أمل الأطفال، فهم الرابحون الأكبر من العيد بجمع العيدية. وبعد العصر يبدأ الشق الثاني من العيد، حيث يجتمع أهل الفريج ويتوجهون إلى الشارقة، حيث يتحول ميدان الرولة إلى مهرجان.

  • خديجة المسماري (تصوير : أفضل شام)
    خديجة المسماري (تصوير : أفضل شام)

كرنفال
فريج «المنامة» لا ينام ليلة العيد، حيث كان الجميع، يسهرون لإعداد الأكلات الشعبية. يشهد حركة دؤوب، بينما يتوجه معظم سكانه إلى ميدان الرولة في الشارقة الذي كان يمثل مركز احتفالات الأعياد.. وحسب المسماري فإن أجواءه المبهجة كانت تستقطب الناس من مختلف أنحاء المناطق المجاورة، إلى جانب ألعاب الكبار والصغار، والأراجيح المعلقة على أغصان شجرة الرولة «المريحانة» بالإضافة إلى المسابقات المتنوعة. مشيرة إلى هذه الأجواء جعلت منه نقطة جذب كبيرة للناس، وتحول إلى مهرجان كبير، ما زالت ذكرياته عالقة في أذهان الكثيرين إلى الآن.