نسرين درزي (أبوظبي) 

اكتشفت أمل يوسف باقر، قبل 24 عاماً، وهي أم لـ 4 أبناء، أن ابنها الأصغر عبدالله عيسى لطفي تأخر بالنطق وكان وقتها في الرابعة من عمره، فسارعت باصطحابه إلى أكثر من طبيب متخصص داخل الدولة وخارجها، أكدوا جميعهم أنه يعاني من طيف التوحد، وأنه سيواجه صعوبات تعليمية واجتماعية. وبالرغم من حزنها الشديد، لم تتأخر يوماً في توفير كل سبل المساعدة له لتنمية قدراته بما يتناسب مع وضعه. وها هو اليوم فنان تشكيلي يشارك بلوحاته الناطقة إبداعاً في معارض فردية، واختيرت واحدة منها لتعرض في إكسبو دبي.
التميز الفني الذي حققه عبدالله عيسى لطفي، على مدى 10 أعوام أمضاها في تعلم الرسم وتطوير ريشته بإنجاز عشرات اللوحات، يؤكد أن لأصحاب الهمم مهارات عالية تحتاج فقط إلى من يضيء عليها لتشع نوراً وأملاً. 
والشاب الطموح الذي يحلم بالوصول إلى العالمية ونشر أعماله على نطاق أوسع، يبدي مستوى عالياً من الشغف الفني الذي دفعه إلى تقديم الكثير من الأعمال المعبرة. كان أبرزها قطعة دائمة تعرض في المبنى رقم 3 بمطار دبي الدولي، وهي من فئة «الديوراما» المستوحاة من فن البوب، يوضح من خلالها نبض الحياة اليومية في المدينة.

خطوطه الأولى
إصرار أمل على أن يدخل ابنها عبدالله مدرسة يختلط فيها مع أطفال أصحاء، ساعده على اكتساب الثقة بالنفس. ولكونه تلقى دروساً مخففة، انكب اهتمامه على اللغة الإنجليزية التي كانت له دافعاً للإبحار في علوم الكمبيوتر، ولا سيما لسهولة التعامل مع أزراره. 
وروت أمل أنها اكتشفت موهبة ابنها في الرسم من عمر 3 سنوات، وكانت تشجعه على نسخ خطوطه الأولى على الورق حتى أنهى الثانوية، وسجلته في «مواهب» الاستوديو الفني غير الربحي المخصص لأصحاب الهمم. وهناك تدرب على فنون الرسم تحت إشراف أساتذة متخصصين ساعدوه وعملوا على توجيهه، حيث اختار خطه الخاص الذي يعتمد فيه على الأبيض والأسود، سواء في الرسوم أو الكتابات. 

أجمل هدية
وقالت: عندما بدأت مع والده مشوار علاجه، وضعنا نصب أعيننا دعمه معنوياً ورعايته اجتماعياً، ولاسيما أنه كان منذ الصغر طفلاً نشيطاً يعشق الرسم والألوان.
وأضافت: اهتمامي بعبدالله كان رسالتي الأسمى في الحياة، ولأجله قررت ألا أكمل تعليمي الجامعي وأن أتفرغ للعناية به، ووضع كل أفكاري لدمجه في المجتمع، مضيفة أنها منذ صغره تفخر به وتصطحبه معها أينما تذهب، وتعمل على تصويب تصرفاته باستمرار وبلا كلل. أما بالنسبة لردود الفعل غير المستحبة من بعض الأشخاص في المجتمع تجاه أصحاب الهمم، فهي لم تعرها يوماً أي اهتمام، وإنما على العكس كانت تشكل لها حافزاً للمضي قدماً في تعزيز شخصية ابنها الذي تعتبره نعمة وأجمل هدية من الله.

خطوات آمنة
والده عيسى لطفي تحدث عن ابنه بالفخر نفسه، وأكد أنه وأمه يمثلان قدوته في الحياة، ولطالما كانا له السند ومصدر الدعم، وقد رسما له خطواته الآمنة، إيماناً منهما بموهبته وقدراته ليس فقط على تجسيد اللوحات، وإنما على خط مستقبله بإرادته.

  • الأم الداعمة لابنها حتى التميز
    الأم الداعمة لابنها حتى التميز

وشدد على ضرورة الاهتمام منذ الصغر بأصحاب الهمم لأنهم قادرون على التميز، مثنياً على جهود زوجته التي كانت الظل لابنهما في مختلف مراحل حياته، قائلاً: بحسب خبرتي في تربية عبدالله، أرى أن تنظيم الوقت لدى من يعانون من طيف التوحد مهم جداً، ويساعدهم على التعامل مع الحياة براحة أكثر وعصبية أقل.

أسلوب المخاطبة
وبإصراره على التميز وإرسال أفكاره بالرسم والكتابة، حقق عبدالله إنجازات لافتة، باعتماده أسلوب المخاطبة بالخطوط التشكيلية واللوحات التعبيرية في تواصله مع محيطه. وهو يقضي معظم وقته بالبحث على الإنترنت ليثقف نفسه بالقراءة، في حين يخصص فسحة من يومه للعب مع الأصدقاء على التطبيقات الإلكترونية.

إكسبو دبي
من إبداعات عبدالله الأكثر إثارة للدهشة، لوحة (أبعادها 2 × 2 متر) اختارها موقع إكسبو دبي، تشتمل على الكثير من التفاصيل الدقيقة، وتبدو وكأنها صورة فوتوغرافية تم التقاطها من طائرة من دون طيار باحترافية عالية.

سر النجاح
تعتبر أمل يوسف باقر أن ترتيب أولوياتها كأم والتركيز على نقاط القوة في أبنائها، كان سر نجاح عائلتها والاعتزاز بقصة ابنها عبدالله الذي تمكن من التميز على الرغم من طيف التوحد. 
ابنها فيصل درس إدارة أعمال في «أميركية الشارقة»، وهو متزوج ولديه 3 أبناء، ابنتها شيخة درست إدارة أعمال في «أميركية دبي»، وهي متزوجة ولديها ولد، وابنتها هيفاء درست الإعلام في «أميركية الشارقة» وتعمل في طيران الإمارات.

«الناس الجميلين»
بدأت رحلة عبدالله لطفي عندما كان في الرابعة من عمره، حيث اكتشفت والدته موهبته في الرسم، وعملت على تشجيعه لتنمية إبداعاته، وهو من مواليد 1993، وأحد طلاب «الناس الجميلين» من «مواهب»، الاستوديو الفني غير الربحي المخصص لأصحاب الهمم

معارض
نظم عبدالله خلال مسيرته الفنية التي تحدى فيها وضعه الصحي، عدة معارض نالت إعجاب النقاد والجمهور في أكثر من صرح مهم في البلاد، بينها فقرات عن موهبته في تزيين القبعات برسوماته التي تلقى استحسان متذوقي الفنون الحصرية.
أما رسوماته لأفق مدينة دبي، والتي تبرز عدداً من معالمها المتميزة، مثل «برج خليفة» و«برج العرب»، فقد اختيرت للنشر في كتاب للرسوم التوضيحية المخصصة للأطفال.

خبرة فنية
ينفذ عبدالله عيسى لطفي بعض أعماله على القماش، ويظهر من خلالها أفكاره التي تصوّر العيش مع طيف التوحد لشاب إماراتي ساعدته موهبته على بلورة روحه. وتمكن طوال السنوات الفائتة من اكتساب خبرة لافتة، حتى أنه تواصل مع الفنان الإسباني روبين سانشيز وتعاونا في عمل فني مشترك.
وتظهر لوحات عبدالله بالأبيض والأسود بشكل أساسي، وتعكس بعضها الثقافة اليابانية المستقاة من أعمال الفنان يايويي كوساما، مع لمساته الخاصة التي يظهر من خلالها طبيعة الحياة في دولة الإمارات.