خولة علي (دبي)

يخوض الأطباء حرباً ضروساً ضد وباء «كوفيد»، ليسجلوا أروع الأمثلة في العطاء والتضحيات، ويواجهوا الكثير من التحديات  في سبيل تقديم الرعاية والاهتمام بالمرضى والمصابين، ولنا في د. عائشة الخالدي، أخصائي أمراض معدية والتهابات في الأطفال في مستشفى توام، خير  مثال في التفاني والإيثار، فقرار العودة للوطن وقطع مسيرتها العلمية في أيرلندا، كانا دافعها الأول، في سبيل الوقوف ودعم فريق خط الدفاع الأول، في تصديهم لهذا الوباء، ساعات طويلة يقضيها الأطباء مع المرضى، فيتقاسمون معهم آلامهم  وقلقهم، بالإضافة إلى عزلتهم عن أسرهم  مما يشكل  لهم تحدياً آخر، خصوصاً  في رمضان مع اجتماع الأهل على مائدة الإفطار.
انخرطت د. عائشة الخالدي في رحلتها الإنسانية ضد وباء «كوفيد»، منذ قررت العودة إلى أرض الوطن، فتواصلت مع  الجهات المختصة، وانضمت لأحد أكبر المستشفيات الميدانية التي تواجه نقصاً كبيراً في عدد الأطباء نظراً لبعد المسافة وعدد المرضى المهول.

صعوبة التنقل
وأوضحت أن التحديات شديدة، وهناك صعوبة في التنقل من وإلى المستشفى  الميداني، نظراً لبعد المسافة، ونجوت من الكثير  من الحوادث المرورية بالعناية الإلهية، وقد تعرضت للكثير مخاطر الطريق نتيجة الإرهاق والتعب، وساعات الصيام الطويلة، والإشراف على أعداد كبيرة من  المرضى، وما يصاحب  ذلك من ضغط نفسي وعصبي،  فمحاولة الاهتمام بهم صحياً ونفسياً كان التحدي الأكبر، وأيضاً الابتعاد عن الأهل  رغم أني متواجدة على أرض الوطن ألم لا يمكن وصفة. 
وتمارس د. الخالدي عملها بنظام  المناوبات  ثماني ساعات من العمل المكثف، تبدأ مع استلام الحالات التي تستدعي الاهتمام الطبي أو الملاحظة الدقيقة، من أطباء المناوبة ثم تبدأ مراجعة جميع المرضى الواحد تلو الآخر، من خلال التواصل الهاتفي أو الفحص السريري والتواصل مع المرضى الجدد ومراجعة تفاصيل حالتهم المرضية، ثم البدء بتجهيز أخذ العينات «المسحات» لكل المرضى حسب القوانين الطبية المعدة.

  • د. عائشة الخالدي تكشف على أحد الاطفال
    د. عائشة الخالدي تكشف على أحد الاطفال

الوضع الطبي 
تمر ساعات العمل متواصلة، ووقت الراحة الوحيد فيها كان للصلوات فقط!. وتؤكد الخالدي أن دورها  منصب على تقييم الوضع الطبي لكل مريض والمراجعة الكاملة للأدوية والتحاليل المخبرية، والصور الإشعاعية، والتواصل مع المرضى وتقييم الوضع السريري لأي مريض يستدعي عناية فائقة أو مكثفه، وأيضاً التواصل مع الاختصاصات المختلفة في المستشفيات الرئيسة لعلاج الحالات المزمنة المصاحبة مثل الضغط والسكر أو مشاكل القلب، كون هذه الاختصاصات ليست متوافرة في المستشفيات الميدانية.  وتؤكد د. الخالدي، أنه نتيجة الضغط الشديد الذي  نتعرض له بشكل مستمر، أعترف أني في لحظة معينة شعرت بالعجز التام والإرهاق، ولكن حافظت على التماسك من أجل المرضى خاصة في ظل دعم الفريق الطبي والزملاء الذي يساعد على تخطي الأزمات النفسية.

التباعد الاجتماعي
وكان التحدي  الأكبر لمرضاها  في الحجر الصحي ونتيجة  التباعد الاجتماعي، هو الضغط النفسي الذي يواجهونه لعدم قدرتهم على إيصال ما يشعرون به،  نظراً  لعدم إجادة الشريحة العظمى منهم للغة العربية وبعدهم عن أوطانهم، مما اضطر د. الخالدي  لتعلم بعض مفردات اللغات والتواصل مع مترجمين، وإيجاد جميع طرق التواصل المتاحة لطمأنتهم.  وقالت: إن هناك مريضاً كان محبطاً جداً، ولا يود الاستمرار في الحياة بسبب الإجهاد النفسي الذين يعانيه، واضطررنا لتحويله لزملائنا في الطب النفسي.. لذلك أود أن أشد انتباه الطاقم الطبي لأخذ العامل النفسي للمرضى بعين الاعتبار، ولأهميته في سرعة العلاج. 
وعن القصص والمشاهدات التي تأثرت بها، قالت: عند عودتي إلى أيرلندا لاستكمال الزمالة، ساهمت في علاج الكثير من الأطفال الذين عانوا من تبعات مرض الـ «كوفيد - 19»، الكثير منهم من احتاج للعناية فائقة، لن أنسى مريضتي الصغيرة عندما استفاقت من غيبوبتها سائلة إذا كانت ستعيش أم لا! فوصول طفل إلى مرحلة يطرح فيها هذا السؤال، أمر مؤلم لأي طبيب أطفال، ولكن ولله الحمد الطفلة تعافت.

الإلتزام طوق النجاة
حول مدى تأثير البعد عن الأهل عليها كطبيبة، تقول الدكتورة الخالدي: في ظل طبيعة هذا المرض المعدي والاحتكاك المباشر مع المرضى المصابين، تظهر فكرة التواجد مع الأهل غير واردة تماماً حفاظاً على صحتهم من نقل العدوى لهم، فكنا منعزلين تماماً، ولا نتواصل معهم إلا عبر تطبيقات التواصل المرئي، وهذا الأمر بالنسبة لي مؤلم للغاية.
وتحث د. الخالدي المجتمع  على عدم  التهاون في ظل تخفيف القيود المفروضة، فما زالت كل الجهات تبذل جهوداً كبيرة  للحد من انتشار الفيروس، وما زال الفريق الطبي يكافح  من أجل المجتمع، ولا بد أن تأخذ المسؤولية المجتمعية دورها في الالتزام بالاحترازات الوقائية، وألا  نخذل الدولة بعد كل قدمته وما زالت تقدمه من أجلنا .