خولة علي (دبي)

الفرجان هي الذاكرة الحية التي تركت أثراً واضحاً في نفس كل من عاش تفاصيلها، ناهلاً منها قيمها الثقافية والاجتماعية، ليشكل بها الإطار العام في منهجية العلاقات مع الآخرين، نتوقف عند أحد فرجان دبي قديماً، وهي «البراحة» التي كانت مصيفاً لأهل الساحل إلا أنها استوطنت فيما بعد، وقد أخذت اسمها من طبيعتها فهي عبارة عن فضاء واسع من الأرض، ممتدة من النخل إلى السوق، وزعت على رمالها الناعمة عدد من بيوت العريش والخيام، لتشكل نسيجاً سكانياً قائماً على التكافل الاجتماعي والتآلف.

  • سالم بوهلال يتحدث عن التكافل الاجتماعي والتآلف في الفريج (تصوير: أفضل شام)
    سالم بوهلال يتحدث عن التكافل الاجتماعي والتآلف في الفريج (تصوير: أفضل شام)

مجتمع مثالي
يحدثنا سالم بوهلال عن ذكرياته في البراحة: كثيراً ما تغنى الشعراء بالبراحة التي ربطوها بمفهوم الراحة، قالوا فيها: «البراحة شرغة وراحة.. والعرب فيها مبشينا، سوقها ثامر بتفاحة... والرطب تلفي به الهينا»، فكانت قديماً مصيفاً للهروب من وطأة حرارة الشمس ولهيبها، حيث الهواء النقي البارد، إلا أنها استوطنت فيما بعد بعدد محدود من بيوت العريش والخيام التي تسبح في أمواج رمالها البيضاء، وتتوزع عليها مجموعة من أشجار النخيل، في مشهد يصور بساطة الحياة وتكاتف أبناء الفريج، في بناء أي مجتمع إنساني مثالي.

عمق العلاقات 
ويتطرق بوهلال إلى نمط حياة الأهالي في الفريج موضحاً أن الحياة في البراحة إنما تعكس عمق العلاقات الاجتماعية بين بيوت الفريج، بل تتعدى إلى الفرجان الأخرى، فأصبح هناك تعارف فيما بينهم بدأه الصغار من خلال اللهو مع أبناء الفريج الآخر.. هذا التواصل شكل سلسلة قوية من العلاقات بين كل أفراد الأسرة الواحدة وتعارفهم مع بعضهم البعض. 
 وقال: من المشاهد التي أذكرها ونحن صغار نلهو على كثبان وتلال البراحة لا تردعنا حرارة الشمس ولا رمالها الساخنة من السير عليها، فكنا نبحث تحت النخيل عن «الخلال» ويطلق (البلح)، ويميل إلى الليونة والطراوة، ومنها ما تكون خضراء لاذعة الطعم.. فكنا نتسابق لجمعها وأخذها إلى البيت، حيث تقوم الأمهات بشكها على شكل عقد نلبسه حول العنق ونتباهى به بين أطفال الفريج، وما أن يطلب أحد الأطفال حبة «خلال» فإننا ننزعها من العقد بكل رحابة صدر ونعطيه ليأكلها، فتعلمنا ونحن صغار التعاون والتراحم، وقيما إنسانية عظيمة قلما نجدها في هذا الوقت.

  • جلب الماء من الآبار
    جلب الماء من الآبار

فزعة الأهالي 
وتظهر جلية أصالة الأهالي في الأزمات والأحداث التي تمر على الفريج، حيث يقول بوهلال عنها: مع قوة سقوط الأمطار والرياح الشديدة التي تقتلع كل ما تراه أمامها، كانت البيوت من العريش والخيام، فالبعض منها لا تقوى على الصمود أمامها، فيتهاوى سور البيت، فنجد فزعة الأهالي عند سماع الخبر، فالكل يهب لتقديم العون والمساعدة في إعادة تثبيت أجزاء البيت والاطمئنان على قاطنيه، والكثير من المشاهد والصور التي جعلتنا ونحن صغار ندرك أهمية التعاضد والتعاون في مساعدة الآخرين.
وتعود به الذاكرة إلى بهجة الفريج في المناسبات والأعياد، مؤكدا بوهلال أن الفريج يعيش في موجة من الفرح مع قرب عيد الفطر، حيث تستعد البيوت بتجهيز الملابس الجديدة، وهذه المهمة تقوم بها نساء الفريج ممن لهن خبرة في الخياطة، يقمن بحياكة «الكندورة» أي الثوب، مقابل مبلغ متفق عليه، وتجهز المواد الضرورية لإعداد سفرة العيد، فتبقى البيوت مشرعة أبوابها، احتفاء بالمهنئين من أهل الفريج.

  • بيوت العريش والخيام
    بيوت العريش والخيام