حسن ولد المختار

هل كانت سنة 2020 أسوأ سنة في التاريخ؟ سؤال طرحه كثيرون العام الماضي، بعدما فرضه تفشي وباء كورونا من هلع وفزع، ومكابدات ومعاناة قاسية، وأعداد إصابات ووفيات قياسية، على نطاق عالمي! وهو سؤال يبدو أنه ظل يعيد طرح نفسه بشكل متجدد، في كل اللحظات الكالحة، التي مرت بها البشرية في تاريخها المدوّن! فقد سبق أن تساءل الناس قبل قرن، من الآن، إن كانت سنة 1918 هي الأسوأ حقاً في تاريخ الإنسانية، بعدما تفشت خلالها الإنفلونزا الإسبانية، في عالم يكابد، يومها، آخر أهوال الحرب العالمية الأولى، فحصدت أرواح قرابة 50 مليون إنسان، وأصابت 500 مليون آخرين، انضافوا، هم أيضاً، إلى عشرات الملايين الذين سحقتهم تروس الحرب الضروس في مجازر خنادقها الخطيرة، وشرورها المستطيرة.

  • من عنابر ضحايا الإنفلونزا الإسبانية 1918
    من عنابر ضحايا الإنفلونزا الإسبانية 1918

قبل قرون، ظن كثيرون أن سنة 1347م هي الأسوأ، بل سنة نهاية العالم، بعدما تفشى فيها الطاعون الجارف «الموت الأسود» الذي انطلق من منغوليا، وانتشر في قارات العالم القديم كلها، ودمّر مجتمعات قروسطية بكاملها، وترك مدناً ومناطق خاوية تماماً من السكان، وحصد أرواح قرابة ربع -أو ثلث- سكان أوروبا وشمال أفريقيا والشرق الأوسط وآسيا الوسطى، فضلاً عن عشرات الملايين الآخرين في بقية مناطق العالم!
ودوّن المؤرخ العربي العلامة ابن خلدون في كتابه «المقدمة» وصفاً دقيقاً لبعض الآثار المدمرة لهذه الكارثة، التي كان شاهد عيانٍ عليها، ومات فيها معظم أفراد أسرته وأساتذته، حيث كتب: «وهذا ما نزل بالعمران شرقاً وغرباً في منتصف المئة الثّامنة «للهجرة، القرن الرابع عشر للميلاد» من الطّاعون الجارف، الذي تحيّف الأمم، وذهب بأهل الجيل، وطوى كثيراً من محاسن العمران ومحاها، وجاء للدّول على حين هرمها وبلوغ الغاية من مداها، فقلّص من ظلالها، وفلّ من حدّها، وأوهن من سلطانها، وتداعت إلى التّلاشي والاضمحلال أحوالها، وانتقض العمران بانتقاض البشر، فخرُبت الأمصار والمصانع، ودرَست السُّبل والمعالم، وخلت الدّيار والمنازل، وضعفت الدّول والقبائل، وتبدّل السّاكن.. وكأنّما نادى لسان الكون في العالم بالخمُول والانقباض فبادر بالإجابة»!
ولكن السنة التي يكاد معظم المؤرخين، والباحثين العلميين المعاصرين، يُجمعون على وصفها بأنها كانت حقاً أسوأ سنة في التاريخ الإنساني المعروف هي سنة 536م، بلا منازع.. ومن هؤلاء العلماء فريق بحثي قاده عالم دراسات القرون الوسطى «مايكل ماكورماك» حيث توصل في 2018 إلى أن 536م كانت حقاً، وبكل المقاييس، هي «أسوأ سنة في تاريخ البشرية»!

  • دمر الطاعون الجارف مدناً ومجتمعات كاملة 1347
    دمر الطاعون الجارف مدناً ومجتمعات كاملة 1347

ولكن ماذا وقع، تفصيلاً، في هذه السنة من كوارث ومصاعب ومصائب وخطوب وكروب.. بل ماذا لم يقع أصلاً؟!
في بداية 536م، كما توصل باحثون من جامعة هارفارد، وقع ثوران بركاني هائل، في آيسلندا على الأرجح، ارتفعت سحابته قرابة 50 كلم في عنان السماء! وربما تزامن معه أو تبعه مباشرة أيضاً ثورانان آخران كبيران جداً في كل من بركان كاراكتوا الشهير بإندونيسيا، وبركان آخر في السلفادور بأميركا الوسطى، بحسب دراسات علمية أخرى، وأدى كل ذلك إلى ما يوازي تأثير وقوع شتاء نووي، حيث أثار في الجو من الرماد والحمم ما يوازي تفجير 2000 قنبلة ذرية كقنبلة هيروشيما، بحسب «ديفيد كي»، وهو جيولوجي درس هذه الظاهرة، عن كثب. وهكذا غطت سماءَ معظم مناطق العالم سحابةٌ سوداء من الضباب الجاف والظلام الكثيف، حجبت ضوء الشمس بشكل مخيف. وقد سجل المؤرخ البيزنطي بروكوبيوس عن عام 536م في تقريره حول الحروب مع الواندال: «خلال هذا العام حدثت بَوارحُ ونذر شؤم مخيفة للغاية. لأن نور الشمس فقَدَ اللمعان.. وبدت كأنها في حالة كسوف مستمر»! وسجل الإخباري البيزنطي «ميشل السوري» أن «ضوء الشمس احتجب قرابة 18 شهراً، باستثناء ساعات قليلة شحيحة الضوء». وذكر أيضاً رجل الدولة الروماني كاسيودوروس أن «ضوء الشمس كان ضعيفاً جداً، وأن المحاصيل فسدت تماماً»! ونتج عن كل ذلك استمرار ما يشبه الليل الدائم، وانخفضت درجات الحرارة بشكل بالغ، فنزلت الثلوج غزيرة في ذروة فصل الصيف في الهند، والصين، وكوريا! وقد اعتبر باحثون معاصرون، بناء على دراسات مناخية وجيولوجية حديثة، أن 536م كانت فعلاً هي الأبرد خلال الـ2500 سنة الماضية!

  • شهدت 536م إلى جانب الكوارث المناخية مجاعات وصراعات مدمرة
    شهدت 536م إلى جانب الكوارث المناخية مجاعات وصراعات مدمرة

وأدت كل هذه الظواهر المناخية شديدة التطرف إلى نفوق المواشي والأسماك، وفساد المحاصيل والثمار على أوسع نطاق، أو انعدامها من الأساس، ومن ثمّ انتشار المجاعات الشديدة في كافة أنحاء العالم، وتزامن كل هذا مع استِعار الحروب الطاحنة والصراعات المدمرة العارمة. ولأن السنين الكوالح والمصائب الكوالح لا تأتي فرادى، فقد تفشي أيضاً بسرعة الوباء، المعروف بـ«طاعون جستنيان»، نسبة إلى الإمبراطور البيزنطي في ذلك الزمن، الذي قضى ما بين سنتي 541م و549م على عشرات الملايين في أوروبا والشرق الأوسط وآسيا الوسطى ومناطق أخرى. وكان الإنسان، يومها، يواجه استشراء الوباء مكشوف الظهر، فاقداً كافة صور السند والتضامن والتعاون، ودون وجود أدنى دواء أو معقّم أو كمّامة أو غذاء، أو حتى فهم لطبيعة المرض أو مسبباته! وأسوأ من هذا كله أن ضحايا طاعون جستنيان كان معظمهم يصابون بجنون مُطبَق، وينفصلون عقلياً عن الواقع، قبل أن يموتوا بأبشع وأشنع حال، بعد 3 أيام، في النهاية! 
ولم تكن كل هذه الكوارث لتمر، تباعاً، دون أن تكون لها، بطبيعة الحال، تداعيات سوسيو- تاريخية عالمية كارثية فارقة، فقد دقّ تكالب المجاعات والصراعات والطاعون المدمر آخر مسمار في نعش الإمبراطوريتين البيزنطية والساسانية معاً، وساهمت تداعياتها اللاحقة في انهيارهما السريع الكامل في المحصلة. كما أدت الكوارث التي بدأت في 536م أيضاً إلى هجرة أمم وشعوب كاملة هائمة على وجوهها عبر القارات بحثاً عن مفر أو غذاء، مشِيعة في طريقها أجواءً عارمة من الهمجية والسلب والنهب والاضطرابات والفوضى والنزاعات في كل مكان. وبسرعة، تمزقت وتفككت مجتمعات تاريخية، وانقرضت شعوب عن بكرة أبيها، إلى الأبد. واستغرق احتواء التداعيات الإنسانية لكوارث 536م عدة عقود لاحقة، كما امتدت توابع آثارها المناخية والطبيعية المدمرة، تالياً، قرابة قرن كامل من الزمن.