هناء الحمادي (أبوظبي)

الفرجان، تمثل القيم الأصيلة في ذلك الزمان، خصوصاً التعاون والتواصل والمحبة بين سكانها، حيث أدى تقارب الجدران إلى تقارب القلوب، وبحثاً عن الذكريات والطفولة الهوية والأصالة، وأصوات كانت تملأ المكان والزمان، قبل أن تصبح أثراً بعد عين، وأصبحت ماضياً لم تبق منه سوى ذاكرة حية وبيوت قديمة وسكيك ضيقة و«فرجان» عتيقة، فلا يزال محمد عبدالله أحمد فارس آل علي من فريج آل علي في رأس الخيمة يذكر حادثة «الطموة» التي طمرت فريج آل علي، وهو أحد فرجان رأس الخيمة القديمة المطلة على الخور، الذي جرفه فيضان البحر بأكمله.

الصيد والتجارة
سرد محمد عبدالله حكاية الفريج بتفاصيلها: «أنا من سكان فريج آل علي، والأسر التي تسكن في الحي أصلهم من قبيلة آل علي القاطنة في أم القيوين، والذين نزحوا إلى رأس الخيمة في القرن الثامن عشر، وسكنوا في منطقة الجزعة، ثم انتقلوا إلى شمال رأس الخيمة، وهي منطقة منخفضة عن المدينة حوالي 2.5 - 3 أمتار، وكان معظم سكان الفريج يعملون في الصيد والتجارة، وكانت هذه المهن سائدة آنذاك.
ويضيف: من الأسر المعروفة في فريج آل علي عائلة المفتول، وبن غانم، وعائلة عكية، وبن خضر، وبن عبود، وصعصاع الشايع وكلهم أصحاب مهن وحالتهم المادية ميسورة.

رمضان 
أجواء رمضان في فريج آل علي لا تختلف عن الفرجان الأخرى، حيث  يذكر محمد عبدالله تفاصيل الفريج: شعور جميل عندما يقبل علينا شهر رمضان الكريم، وهذا يعني وجود أكلات شهية لا تطبخ إلا في رمضان، لذلك كان شعورنا مختلفاً في هذه الأيام، حيث الأكلات المحببة إلى قلبي منذ الصغر، ومنها «الهريس» و«اللقيمات».. ويزداد فرحي مع عيال الفريج حين نقوم بتوزيع الأطباق على الجيران، حيث تعتبر عادة تبادل الأطباق من أجمل ما يشتهر به شهر رمضان في ذلك الوقت بالفريج، والذي ما زالت العادات متوارثة حتى الآن.

ألعاب شعبية
ويقول: «بعد صلاة التراويح غالباً ما يذهب عيال الفريج لممارسة الألعاب الشعبية، لكن الجميل أن خلف بيتنا توجد «براحة» مساحة واسعة وخالية، وكنا نمارس فيها الكثير من الألعاب مثل «سبيت سبيت حي وإلا ميت»، و«حبيل الزيبل» و«معيجيل اليربا» خاصة في شهر رمضان، وغالباً ما يمتد اللعب مع عيال الفريج لمدة ساعة إلى ساعتين، حيث نعود بعدها  لتناول وجبة السحور، ومن ثم النوم.
ويتابع «من المشاهد الجميلة التي ما زالت راسخة في ذاكرتي هو أن الكثير من رجال الفريج لا يفطرون في بيوتهم مع أسرهم فكل رب أسرة يحمل بيديه كل ما لذ وطاب من الأكلات الرمضانية ويضعها على المائدة، التي تضم كل شباب ورجال الفريج ليفطروا أمام المسجد، تجمعهم روح المحبة والمودة والتواصل وكأنهم عائلة واحدة.
وأوضح أن هذا التجمع يعني أنه دعوة أيضاً للأشخاص الغرباء، الذين لم يحصلوا على الفطور ليتناولوه مع الحضور وكذلك المارة وابن السبيل ، ويقول: «من المواقف التي ما زالت راسخة في ذهني أن والدتي قامت بفرش الحصير خارج البيت، وقالت لي تناول الفطور لوحدك، حيث كان إخوتي ووالدي مسافرين، ولم يكن أحد في البيت وبالفعل تناولت لوحدي، لكن في اليوم الثاني أقبل الجيران يتناولون الفطور معي، وهكذا كل يوم يزداد العدد لتناول الفطور جماعة وكان ذلك عام 1960.

  • محمد عبدالله فارس يسرد حكاية الفريج (تصوير : أفضل شام)
    محمد عبدالله فارس يسرد حكاية الفريج (تصوير : أفضل شام)

وأضاف: تأثر بيتنا بالطموة عام 1957 وحاولنا إصلاح البيت والبقاء في الفريج ولكن بعد ثلاث سنوات اضطررنا إلى ترك فريج آل علي، والسكن في سدروه حالنا حال من سبقنا من أسر آل علي.

مسحراتي الفريج
قال محمد عبدالله فارس : كان هناك «المسحراتي» الذي يطوف الفريج كل يوم لإيقاظ أهل الفريج للسحور مردداً «قوم يا نايم ووحد الدايم»، وقبل انتهاء الشهر الفضيل يأتي إلى الفريج مع حماره ليأخذ ما قسم له من العطايا من أهل الفريج نظير ما كان يقوم به طوال شهر رمضان، حيث يحصل غالباً على الزكاة أو التمر .