لكبيرة التونسي (أبوظبي)

عندما تتحدث حسنة سالم الربيعي عن «فريج المريخات» في جزيرة دلما، فإنها تتحدث عن تاريخ متأصل ضارب في القدم وحياة اجتماعية واقتصادية جذبت الناس من مختلف الأنحاء للمنطقة. حسنة سالم الربيعي والتي تتقن الشعر، عاشت في فريج «المريخات» المنسوب لصاحبه، تاجر اللؤلؤ محمد بن جاسم المريخي، في قلب المدينة التاريخية، حيث تم بناؤه من أحجار الشاطئ والمرجان وتغطيته بالجص، وسط حي يشهد رواجاً اقتصادياً وثقافياً كبيراً، كان مقصداً لتجار اللؤلؤ وصيادي الأسماك، ومركزاً للتجارة.

المياه العذبة
بالحديث عن حياتها في «المريخات»، قالت: إن الفريج عرف بمياهه العذبة، مما جعله مقصداً للناس، وكان مزوداً رئيسياً بالمياه العذبة، لاشتهار الجزيرة بوجود العديد من الآبار، حيث إن الحياة كانت مبنية على التعاون والترابط، كما أن فريجها كان مشهوراً بإكرام الضيف واستقبال الغريب، لافتة إلى أنها وهي صغيرة ألفت الحراك الاجتماعي والتجاري، حيث كانت تشاهد تجمعات الصيادين، وهم يجلبون خير البحر الوفير، وهم أيضاً يجهزون السمك المالح، بينما كانت تسمع حكايات الجدات التي تؤكد أن الفريج كان صرحاً لتجمع تجار اللؤلؤ الذين يأتونه، محملين ببضائع وتوابل وأقمشة الحرير، ويأخذون السمك المالح واللؤلؤ والماء العذب. 

  • بيت المريخي أشبه بمركز تجاري (أرشيفية)
    بيت المريخي أشبه بمركز تجاري (أرشيفية)

تعاون
وعن الحياة الاجتماعية في فريج «المريخات» قالت إنه كان يحتضن الأهل والجيران، يفرحون لبعضهم البعض ويحزنون لبعضهم البعض، ومن يمتلك مزارع يعطي من خير أرضه لغيره، من تمور وخضراوات وفواكه، أما من يمتلك المزارع بمنطقة ليوا، والتي كانت تشكل مقيظاً لأهل جزيرة دلما، فإنه يأتي محملاً بالتمور وخيرات المزارع التي يوزعونها على أهله وجيرانه. 

قصة الماء العذب
وحسب ما سمعته حسنة الربيعي من أهلها فإن «فريج المريخات» كانت تدور فيه مختلف القصص والحكايات حول الماء، مؤكدة أن السفن كانت في الماضي تمر وتقف أمام دلما للتزود بالمياه العذبة التي اشتهرت وعرفت بها الجزيرة، والتي يستقيها أهلها من آبارها ومن العيون الجارية في أرضها، أما الآبار فكانت نقطة جذب أيضاً للنساء اللواتي يلتقين بجانب البئر يتجاذبن أطراف الحديث، ويتقاسمن الأخبار، ومن حوله قامت علاقات زواج وخطبة.

مدبسة
أوجد أهل فريج «المريخات» طرقاً عدة لتخزين المؤونة والتمر، وكانت «المدبسة» من بين هذه الوسائل، حيث مازالت قصة «المدبسة» عالقة في ذهن حسنة الربيعي، عندما كانت تركض هي وأطفال الفريج، يلعبون ويتقاسمون الطعام، ويوزعون أطباق رمضان، بينما رجال الفريج يفطرون مع بعضهم، ولا يقتصر ذلك على الشهر الكريم، بل طوال السنة، حيث يتقاسم أبناء الفريج خيرات المنطقة، ومن أوجه هذه الخيرات، دبس التمر، حيث كانت تتواجد في فريج «المريخات» عدة «مدابس» وهي عبارة عن غرفة لصناعة الدبس معتمدة على إنتاج الجزيرة من التمور، حيث يشكل هذا النوع من الطعام مصدراً غذائياً مهماً في حياة أهل الجزيرة، ويضاف عادة لأنواع الخبز المحلى واللقيمات والعصيدة وغير ذلك، لافتة إلى أن الأطفال كانوا يجدون لذة كبيرة في تناول الأكلات الشعبية المغمسة في دبس التمر.

مسجد
وأشارت الربيعي إلى أن أهالي «المريخات» يصرون على تحفيظ أبنائهم القرآن الكريم، الأولاد في الكتاب، بينما البنات تحفظ على يد «المطوعة» التي تأتي للبيت، مشيرة إلى أن المساجد الثلاثة الموجودة في جزيرة دلما بمستوى عالٍ من الحرفية والبراعة في تصميم الزخارف الجصية.

  • حسنة الربيعي تتحدث عن التكافل الاجتماعي في الفريج (الصور من المصدر)
    حسنة الربيعي تتحدث عن التكافل الاجتماعي في الفريج (الصور من المصدر)

بيت المريخي
يعد بيت محمد بن جاسم المريخي علامة بارزة على تاريخ وأصالة جزيرة دلما، حيث شكل نقطة تواصل بين مراكب البحارة وتجار الأقمشة واللؤلؤ.  وقام البيت بدور رئيس كمركز  لاستقبال تجار اللؤلؤ، وكانت تعقد فيه اجتماعاتهم ومناقشاتهم اليومية، كما كان البيت مقصداً للتجار الغرباء عن الجزيرة الذين كانوا يأتون للتبادل التجاري مع الدول المجاورة، ولعب دوراً كبيراً بوصفه برلماناً مصغراً يجتمع فيه الرجال من أهالي الجزيرة والتجار من خارجها لتبادل الأحاديث والتعرف إلى أحوال الغوص ورحلاته.