نسرين درزي (أبوظبي)

يعتبر علي محمد علي اللوغاني أن فريج “المحطة” في مدينة كلباء، كان من أجمل فرجان إمارة الشارقة وأكثرها أحداثاً وروايات، ولا سيما أنه اتخذ اسمه في ستينيات العشرين من محطة هبوط طائرات الجيش البريطاني التي جعلت من رماله مدرجاً لها. ويعود بذاكرته إلى تلك الأيام عندما كان في الـ 12 من عمره، كمن يرسم لوحة ضاجة بالحركة وخصوصاً في أشهر رمضان التي نسجت أجمل معاني التآخي والتزاور والتعاون بين الأسر الإماراتية قديماً.

  • مشقة العيش وبساطته
    مشقة العيش وبساطته

الروبية والآنة
يروي الوالد اللوغاني حكايات عن بساطة العيش وكيف كانت الروبية الهندية العملة المتداولة آنذاك ومن بعدها الروبية الفرنسية والريال وصولاً إلى الدرهم قائلاً: كانت الآنة الواحدة تكفينا لشراء احتياجاتنا، ومع أن البيزات قليلة لكن الرزق وفير، ولم يكن أحد يشتري أكثر من قوت يومه. الدجاجة الواحدة بدرهمين والسمك يباع منه ربع كيلو للأسر الصغيرة أو نصف كيلو كحد أقصى، في غياب أماكن حفظ الطعام وتبريده.

  • من داخل سوق كلباء
    من داخل سوق كلباء

ويذكر أن موعد الإفطار كان دعوة مشتركة تجمع عائلات الفريج على الأطباق نفسها، كل بيت يحضر صنفاً واحداً من الطعام تتبادله الأيدي في صورة معبرة عن قيم التآخي في السراء والضراء. وأكثر الأكلات التي كان يترقبها هي الهريس والخبيص واللقيمات، وما لم تتوافر في مجلس الرجال، كان يسأل أمه عنها من مجلس الحريم لتحضر له بعضاً منها. وبمجرد أن ينهي ورفاقه صلاة العشاء حتى يركضوا للعب عند الشاطئ، مستعينين بحصاه ليرصدوا قوّتهم في رميها لمسافات طويلة، ومن يبقى من الفريق للآخر يكون هو الفائز.

  • من ألبوم ذكريات علي محمد علي اللوغاني عن فريج «المحطة»
    من ألبوم ذكريات علي محمد علي اللوغاني عن فريج «المحطة»

بواخر الرزق
ومن مشهديات العيش في زمن فريج المحطة، يصف الوالد اللوغاني حال البيوت التي كانت معظمها من الدعون والعريش وخوص النخيل وسعفه. أما العائلات الميسورة فكانت تبني بيوتها من التول والطابوق، وهكذا كان حال سوق مدينة كلباء الذي تميز ببنائه المتين حيث شيّد من الطين والحصى. وكانت تباع فيه السلع الآتية من بواخر الهند، وفيها الطحين والسكر والملح والجوز وباقي المكسرات والملابس وسواها من السلع الأساسية. ويضيف: أذكر أن الجميع كانوا يحصلون على ما يريدون حتى وإن لم يكن مالهم كافياً، لأن التجار من أهل الفريج اعتادوا البيع بالدين إلى حين تيسر الحال.

  • علي محمد علي اللوغاني (صادق عبدالله)
    علي محمد علي اللوغاني (صادق عبدالله)

أشهر الغوص
ويستعيد الوالد اللوغاني ذكريات من رحلات الغوص للبحث عن اللؤلؤ والتي كان يقضي فيها رجال الفريج 3 أشهر متتالية سعياً وراء رزق عائلاتهم، مشيراً إلى أن تلك الأيام كانت صعبة على الجميع ولكنها جميلة وتحمل الكثير من الصبر والتضحيات. الغواصون كانوا يتحملون مشقة البحر ومخاطره، والحريم كنّ يحملن مسؤوليات البيت والأبناء، الذين يحاولون المساعدة كل حسب سنّه. ويشير إلى حال الفرح التي تعم الفريج يوم عودتهم سالمين من البحر، حيث يجتمعون مساءً في بيت كبير القوم ويتسامرون في مجلسه عن شؤونهم وقصص عن حلهم وترحالهم.