هناء الحمادي (أبوظبي)

لا توجد كلمات تعبر عن مكانة الأم صالحة الريسي في حياة أبنائها، وحسب قولهم: مهما قيل لا شيء يوفيها تعبها وحنانها وعطفها، فهي بالنسبة لهم ذلك النور، الذي تشعله في قلب أبنائها، ولا يمكن أن يخفت أو يقل شعاعه طوال العمر، هي صانعة الأجيال، ومن تلقن فلذات كبدها أولى أبجديات الحياة التي يؤسسون عليها مسيرتهم طوال العمر، والتي تمدهم بالقيم التي يرتكزون عليها وتزودهم بكل ما يلزم ليكونوا مخلصين لوطنهم.. فيها يجدون فرحهم وأمامها ينسون هموم الدنيا، هي التي تشمخ بدورها الأمم، وتعي جيداً أنه بفضلها ومن مدرستها يخرج بناة الوطن وحماته والمخلصين لترابه.

  • محمد التاجر فارس من أصحاب الهمم (من المصدر)
    محمد التاجر فارس من أصحاب الهمم (من المصدر)

الفوز
صالحة الريسي (إدارية في نادي دبي لأصحاب الهمم) صنعت النجاح لأبنيها من «أصحاب الهمم»، واستطاعت أن تقف مع عبدالله ومحمد التاجرالشامسي في خطوة نجاح وتميز خلال حياتهما العلمية والعملية، ولم تبخل عليهم بمد يد المساعدة ليكونا مميزين في حياتهما وهواياتهما، التي حققا خلالها الفوز في دورة الألعاب العالمية الأولمبية في أبوظبي، التي أقيمت في 2019، حيث صنعت لهما النجاح فصنعا لها الفوز.
وتقول الريسي: فخورة بأني أم بطلين صنعا النجاح، فرغم إعاقتهما، إلا أن ذلك لم يقف حائلاً في تحقيق طموحهما نحو الفوز والتميز في حياتهما، فولدي عبدالله التاجر الشامسي إعاقته لم تكن واضحة منذ البداية بسبب إلتواء الحبل السري، خاصة أنه المولود الأول، لتبدأ رحلة الكفاح عند بلوغه الرابعة وهو في الروضة، حينما أكدت لي المعلمة أنه يعاني عدم الاستيعاب قبل أن تؤكد الفحوص الطبية أنه يعاني إعاقة ذهنية، لكون المخ أصغر من عمره، وليتكرر الأمر ذاته مع ابني محمد، الذي عانى بطئاً في الاستيعاب، وعدم القدرة على التحدث حتى بلوغه الخامسة، لتبدأ رحلة أخرى من حياتي، والبحث عن بصيص أمل في حياة عبدالله ومحمد.

  • عبد الله التاجر سباح من طراز فريد
    عبد الله التاجر سباح من طراز فريد

السباحة
ولم تشعر الأم باليأس أو الانكسار في حياته، بل زادها ذلك عزيمة وإصراراً على تربيتهما، والاستمرار في البحث عن مركز لرعايتهما، ليقع الاختيار على مركز دبي للرعاية الخاصة، ليتم التأهيل اجتماعياً، وفي الوقت ذاته أحبت أن تكون لعبدالله هواية خاصة به فكانت السباحة التي تميز فيها، فالتحق بنادي الثقة لأصحاب الهمم في الشارقة عام 2004 ليواصل تدريبه بشكل يومي بمعدل ساعتين بقيادة المدرب جمال ناصر، الذي تولى تدريبه من بداية مشواره حتى الآن، لتكون أول مشاركة له في بطولة خارجية في تونس، وأحرز خلالها ميداليتين «ذهبية وفضية» وهو بعمر 12 عاماً.
وقالت صالحة الريسي: الانتصارات توالت في حياة عبدالله بميداليات ما بين الذهبية والبرونزية والفضية في مشواره الرياضي، حتى وصل إلى أهم محطات حياته، بالمشاركة في دورة الألعاب العالمية للأولمبياد الخاص، التي أقيمت في أبوظبي عام 2019، حيث حقق الميدالية الذهبية في سباق «50 متر صدر»، خلال منافسات السباحة التي أقيمت في مجمع حمدان الرياضي في دبي، ليضيف الميدالية الذهبية الثانية للإمارات في منافسات البطولة، كما حقق ميداليته الـ 50 في مشواره الذي بدأ مع السباحة عام 2003، ليطلق عليه لقب «تاجر الذهب»، لكثرة الميداليات التي حققها في البطولات التي يشارك بها.

إنجازات
بينما أخوه محمد، فبدأ التدرب على رياضة الفروسية عام 2007، الذي يعاني «إعاقة ذهنية»، فشارك في أول بطولة خارجية في عالم الفروسية بعمر 10 سنوات ليحقق خلالها الكثير من الإنجازات، حيث شارك في بطولة الفروسية في شنغهاي وقد كان أصغر اللاعبين بها، وحصل على الميدالية الفضية، ثم تلتها الكثير من البطولات محرزاً ميداليات ذهبية وبرونزية وفضية، كما حقق في الأولمبياد الخاص «الميدالية الذهبية» في قفز الحواجز، ليصل عدد الجوائز التي حصل عليها 37 جائزة.
ما وصل إليه عبدالله ومحمد التاجر الشامسي كان بفضل دعم والدتهم صالحة الريسي، التي أفنت حياتها في دعمهما والسفر معهما في المعسكرات الخارجية فقد تفرغت لتربيتهما ورعايتهما حتى حصلا على المراكز الأولى في البطولات التي شاركا فيها.

  • محمد يهوى البحث والاطلاع
    محمد يهوى البحث والاطلاع

دموع الفرح
صورة معبرة وفرحة أم حين حققا الانتصارات في الدورة الأولمبية بذرف دموع الفرح، وعن تلك المشاعر تذكر الريسي: بالفعل لم أتمالك نفسي فمن شدة الفرحة نزلت دموعي، فالانتصار والفوز جاء هدية لدولة الإمارات التي تقف وراء أصحاب الهمم، ولم تبخل في دعمهم بل كانت لهم الداعم الأول في كل انتصاراتهم، وأفخر أني أم استطعت أن أجعل من عبدالله ومحمد ضمن أبطال يرفعون راية الانتصار لدولة أعطت وأعطت الكثير ليصل أبناؤها الكثير ليقفوا في المراكز الأولى على منصات التتويج رغم إعاقتهم.
وأشارت صالحة إلى أنها كانت حريصة على ترك الحرية لابنيها لاختيار منافسات رياضية يستطيعان الإبداع فيها، «ما أثمر عن ولادة بطلين، خصوصاً أن محمد كما ذكرت كان أصغر فارس في الألعاب العالمية الصيفية في شنغهاي 2007 وعمره حينها لم يتجاوز 10 سنوات، قبل أن يواصل الشقيقان التألق على صعيد كل البطولات التي خاضاها في مسيرتهما الرياضية».

شهر رمضان
تقول صالحة الريسي: رغم مواصلة التعلم عن بعد، إلا أن ذلك لم يمنعهما من الصيام في الشهر الفضيل، والصلاة في أوقاتها، حيث نلتقي على مائدة رمضان يجمعنا الحب والمحبة والحديث عن أجواء رمضان والنقاش فيما بيننا عن أمور شهر الصيام، ورغم ذلك أحاول تعليمهما قراءة القرآن الكريم، مشيرة إلى أن الوجبات الرمضانية المقربة لهما اللقيمات والهريس والثريد.

  • عبد الله دائماً على منصة التتويج
    عبد الله دائماً على منصة التتويج

أجمل هدية
وصفت صالحة الريسي، والدة بطلي الأولمبياد الخاص الإماراتي عبدالله ومحمد التاجرالشامسي، المتوَّجين بذهب السباحة والفروسية في منافسات دورة الألعاب العالمية أبوظبي 2019، إنجازَي ولديها بأنه «أفضل هدية تلقتها أم في العالم، خصوصاً أن الإنجازين وحفل ختام الدورة التي استضافتها الدولة للمرة الأولى، تزامناً مع يوم الأم في ذلك الوقت.

التميز
قالت صالحة الريسي: أستمد قوتي من أبنائي، فمع إيماني بالله وتحملي وصبري، تزداد قوتي ودعمي وحماسي يوماً بعد يوم، فقد أحببت فيهما روح التحدي والإنجاز في البطولات، تعبت معهما وثابرت دون كلل أو ملل حتى وصلا إلى المراكز الأولى في إنجاز تلو إنجاز، حيث زرعت فيهما حب التميز مع التشجيع المستمر، وقبل خوضهما أي بطولة أو مسابقة أكون لهما الطبيب النفسي الرياضي أنزع الخوف منهما وأزرع التميز والنجاح في قلبيهما. أكون لهما الإداري والمدرب في الوقت ذاته.