لكبيرة التونسي (أبوظبي)

تعتبر أشجار القرم متنفساً وسداً منيعاً ضد المتغيرات المناخية وكنزاً طبيعياً غنياً بالفوائد، ويغطي النبات البحري الذي ينمو ضمن مجموعات في البيئة المائية عشرات الكيلومترات من الأراضي الساحلية في الإمارات، تحتضن منها أبوظبي %85، يعتبر القرم موطناً لأعداد كبيرة من الأسماك والسلاحف والطيور.
وتلعب أشجار القرم، دوراً هاماً في تنقية الهواء من الملوثات والغبار وتعتبر مصدراً للأوكسجين، حيت تعتبر من المصادر المستهلكة «التي تمتص الغازات الدفيئة»، وتقوم بتخزين واحتجاز الكربون بمعدلات أسرع من الغابات الاستوائية، مما يساعد في التخفيف من آثار تغير المناخ، وتتميز أشجار القرم بقدرتها على التكيف مع الظروف الطبيعية الصعبة، مثل شدة الحرارة وارتفاع مستويات ملوحة البحر في دولة الإمارات العربية المتحدة، حيث إنها تساهم أيضاً في تحسين جودة الحياة البحرية من خلال تنقية المياه من الملوثات، وتحقيق التوازن الكيميائي في الطمي المتواجد في قاع البحر.
وحسب دراسة أعدتها وزارة التغير المناخي والبيئة، بالتعاون مع الجهات المختصة في شأن المحافظة على التنوع البيولوجي للنباتات والكائنات الحية واستدامتها في الدولة، حيث سجلت الدراسة أعلى مساحة تغطيها أشجار القرم في إمارة أبوظبي بمساحة 10 آلاف و834 هكتاراً، تليها إمارة أم القيوين بألف و877 هكتاراً، وإمارة رأس الخيمة 480 هكتاراً، وإمارة الشارقة 204 هكتارات، وإمارة عجمان 158 هكتاراً، ودبي 63 هكتاراً.

القرم الرمادي
تعتبر أشجار القرم من النوع الرمادي المعروف بأفيسينيا مارينا «marina Avicennia»، هو النوع الرئيسي الذي ينمو على نطاق واسع في إمارة أبوظبي، والتي تم تصنيفها كواحدة من أكثر الموائل البحرية أهمية في الإمارة، حسب هيئة البيئة أبوظبي، التي أشارت إلى أن أشجار القرم من أكثر النظم البيئية الساحلية إنتاجية في العالم، توفر مجموعة متنوعة من الخدمات البيئية والاقتصادية، تساعد في التخفيف من آثار تغير المناخ، حيث تعد من «المصادر المستهلكة» التي تمتص الغازات الدفيئة ولها القدرة على تخزين وعزل الكربون، كما أنها توفر الغذاء والمأوى للعديد من الأنواع البحرية المحلية، واللا فقاريات، وتعتبر ملجأ للأسماك الصغيرة، كما تتخذ الطيور البحرية من غابات القرم الواسعة ملاذاً آمناً للتعشيش ووضع البيض، وتلعب أشجار القرم أيضاً دوراً مهماً في حماية الموائل المجاورة، مثل طبقات الأعشاب البحرية والشعاب المرجانية من الترسبات، فضلاً عن المساعدة في تحسين جودة المياه.

حاجز طبيعي
لأن أشجار القرم تعتبر حاجزاً طبيعياً لحماية السواحل من التعرية والتآكل بفعل الأمواج والتيارات البحرية، فإن هيئة البيئة أبوظبي جعلت حماية هذه النظم البيئية الحيوية على رأس أولوياتها كغيرها من الموائل البحرية الأخرى، والتصدي لما تتعرض له أشجار القرم من تهديدات مباشرة، مثل ارتفاع مستوى سطح البحر الناجم عن تغير المناخ العالمي والأنشطة البشرية، مثل التجريف وتحويل الأراضي، حيث تسعى الهيئة إلى مواجهة هذه التحديات كجزء من إستراتيجيتها التي وضعتها للحفاظ على هذا النظام البيئي الهام، حيث تعمل على دراسة هذه الموائل الساحلية الهامة والمحافظة عليها بموجب القانون الاتحادي 23 و24 (1999).

إكثار القرم
وتوجت جهود هيئة البيئة أبوظبي الرامية إلى الحفاظ على أشجار القرم وتكاثرها، فإنه لوحظ زيادة في مساحة أشجار القرم في أبوظبي على مدى العقود الماضية بسبب برامج إعادة التأهيل وزارعة أشجار القرم وزيادة الوعي البيئي، حيث تقوم الهيئة حالياً بإجراء تقييم شامل للتعرف على صحة أشجار القرم في الإمارة ومناطق انتشارها، وتهدف هذه التقييمات إلى التعرف على الحالة الصحية لأشجار القرم ومعدل نموها وإنتاجيتها، وتنوع الحيوانات الكبيرة داخل غابات القرم، والأنظمة البيئية البحرية والساحلية المجاورة، مثل السهول الطينية والمستنقعات المالحة وأحواض الأعشاب البحرية، وتشمل الدراسات الاستقصائية الأخرى معالجة التأثيرات البشرية والطبيعية المباشرة التي قد تهدد النظم البيئية لأشجار القرم، وتتم هذه الدراسات الميدانية باستخدام تقنيات مبتكرة أخرى، مثل رسم الخرائط والاستشعار عن بُعد، تعد هذه المبادرات جزءاً من برنامج مراقبة الموائل البحرية المستمر في قطاع التقييم البحري والمحافظة عليه في الهيئة.

  • جزيرة السعديات موئل للطيور وأشجار القرم والشعاب المرجانية (أرشيفية)
    جزيرة السعديات موئل للطيور وأشجار القرم والشعاب المرجانية (أرشيفية)

تعميق الوعي
تواصل هيئة البيئة - أبوظبي رفع مستوى الوعي بأهمية غابات القرم بين فئة الشباب والطلاب وعامة الجمهور، من خلال تنظيم ورش عمل ومن خلال منصاتها على مواقع التواصل الاجتماعي، كما تهدف الخطط المستقبلية لهيئة البيئة - أبوظبي إلى بناء وتعزيز الدراسات الحالية وتطوير خطط فعالة لإدارة غابات أشجار القرم والحفاظ عليها.

متنزه القرم البحري الوطني
يعتبر متنزه القرم البحري الوطني، أحد أهم المواقع المهمة ضمن شبكة زايد للمحميات الطبيعية التي تديرها الهيئة وتضم 19 محمية طبيعية «ست محميات بحرية و13 محمية برية»، ويتميز المتنزه، الذي يقع على طول الطريق الدائري الشرقي بقلب مدينة أبوظبي، بانتشار أشجار القرم التي تعتبر محطة تقصدها العديد من الطيور المهاجرة وموقعاً فريداً لمحبي الطبيعة والنزهات، وتتفرد غابات القرم في متنزه القرم البحري الوطني الذي افتتح للجمهور في أكتوبر 2014، وتم إعلانه رسمياً بالمرسوم الأميري رقم «28» لسنة 2017 في نوفمبر الماضي، حيث إنه يعتبر أقرب غابة للقرم لمدينة أبوظبي، والمتنزه، الذي يعتبر من أكثر مناطق القرم كثافة، يمتد على مساحة تبلغ حوالي 10 كم مربع، ويعتبر موطناً لحوالي 8 ملايين شجرة، ويشكل موئلاً غنياً لحوالي 60 نوعاً من الطيور، مثل: بلشون الصخور، والبلشون الليلي، وهازجة القصب الصياحة، والفلامنجو الكبير، والبلشون الأبيض الصغير، والبلشون الرمادي، وطيطوي الرمل، والعقاب الأرقط بشكل موسمي، بالإضافة إلى احتضانه لأكثر من 30 نوعاً من الأسماك والقشريات والمحاريات، وغيرها من الكائنات الأخرى.

رئة الإمارة
حول أهمية شجرة القرم في إمارة الشارقة، قالت هناء سيف السويدي رئيسة هيئة البيئة والمحميات الطبيعية في الشارقة: إن المحميات الطبيعية في الشارقة تضم مزيجاً من الموائل المختلفة، مما يسهم في ثراء أنواع الكائنات الحية فيها، موضحة أن عدد المحميات في إمارة الشارقة يبلغ 51 محمية طبيعية، منها محميتان بحريتان و51 محمية برية، وهذا العدد في تزايد خلال الفترة القادمة، بفضل طبيعة التنوع البيئي الذي تمتاز به الإمارة، تعتبر هذه المحميات مقراً لتكاثر العديد من الكائنات الحية المهددة بالانقراض، ومنها محمية أشجار القرم والحفية التي تم الإعلان عنها في عام 5255 بحسب المرسوم الأميري رقم «52» لسنة 5255 الصادر عن صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي عضو المجلس الأعلى حاكم إمارة الشارقة، بشأن إنشاء محمية أشجار القرم والحفية في مدينة كلباء تحديداً في خور كلباء التابعة لإمارة الشارقة، ومحمية أشجار القرم والحفية الواقعة في مدينة كلباء الواقعة في الساحل الشرقي من إمارة الشارقة وتعتبر من أحد المواقع المنضمة إلى الاتفاقية الدولية لحماية الأراضي الرطبة «رامسار»، وتعتبر من المناطق الغنية بتنوعها البيولوجي البري والبحري، وذلك بسبب التنوع في الموائل الطبيعية في المنطقة من سواحل وسبخات وجبال، بالإضافة إلى غابات القرم، وتتميز المحمية بكونها موطناً رئيسياً لأنواع كثير مهددة بالانقراض من الكائنات الحية مثل السلاحف الخضراء وسلاحف منقار الصقر.

السلحفاة الزيتونية
أكدت هناء سيف السويدي، رئيسة هيئة البيئة والمحميات الطبيعية في الشارقة، أن هيئة البيئة والمحميات الطبيعية نجحت في رصد أول تعشيش لسلحفاة ردلي الزيتونية، والذي يعتبر الأول من نوعه محلياً، مما يؤكد على التزام الهيئة في الحفاظ على البيئة الطبيعية الغنية ودعم حماية الحياة البرية والبحرية، كما تتميز محمية القرم بوجود أنواع مختلفة من سرطانات البحر، موضحة أن محمية أشجار القرم والحفية تعد الموطن الوحيد لتكاثر طائر الرفراف المطوق العربي، وهو أحد الطيور المهددة بالانقراض حسب المنظمة الدولية لصون الطبيعة، ويتم إجراء مسوحات لتعداد طائر الرفراف المطوق العربي خلال موسم التزاوج (أبريل - أغسطس)، وقد أظهرت المسوحات أن كثافة طيور الرفراف المتواجدة في مدينة كلباء جيدة وطبيعية، بالإضافة إلى كون محمية القرم محطة أساسية للطيور المهاجرة في فصل الشتاء.