نسرين درزي (أبوظبي) 

قد لا توجد مفردة أكثر دلالة من «السنع» على التمسك بالهوية الوطنية في مجتمع الإمارات، وهي تعني باللهجة المحلية، العادات والتقاليد الراسخة بين الأسر. ومما يزيد «السنع» أهمية في عصرنا، أنه على الرغم من ملامح التطور الحضاري الذي تشهده البلاد منذ عقود، إلا أن الموروث المعنوي الأصيل ما زال متجذراً في البيوت. وهو بمثابة قاموس حي يتجدد مع كل موقف ومناسبة، ومن عناوينه، الأمانة والنخوة والشجاعة والشهامة، وآداب المجالس وإلقاء التحية وحسن الضيافة.
ومع السعي الدائم لنشر مفاهيم «السنع» بين الأجيال الجديدة بهدف الحفاظ على الطابع المشرّف للمجتمع المحلي، تلعب المراكز المجتمعية والجمعيات دوراً بارزاً في الإضاءة على مفردات الأجداد وطريقة عيشهم، وكيف كانوا يتصرفون في المجالس والأعراس والتجمعات العائلية.

«المفاطر»
على أبواب الدخول في رمضان روت الباحثة في التراث الشعبي فاطمة المغني لـ«الاتحاد» قصصاً عن «السنع» الإماراتي، وقالت: يتلخص «السنع» في شهر الصوم، بأجمل صور الارتباط الأسري والتزاور بين الفرجان وتبادل الأطباق، وهي مظاهر موجودة حتى اليوم، موضحة أنه باستثناء الظروف الاستثنائية التي فرضتها جائحة «كورونا»، فإن التواصل قائم وإن اتخذ أشكالاً أخرى لضمان الوقاية والسلامة. 
وكمدربة معتمدة في «برنامج السنع الإماراتي»، ذكرت المغني أنه من الطقوس الجميلة للشهر الفضيل ما يعرف بـ«المفاطر» أي الأماكن التي يلتقي فيها أهل الفريج لتناول وجبة الإفطار. وقد تكون في بيت الوالي أو عند أحد كبار السن على أن يحمل صفة الداعي، فيجتمع عنده الجيران مع أصناف مختلفة مما توفر من الطعام ليتشاركوها سواء على الإفطار أو السحور. 

  • الأطفال يكتسبون «السنع» من مجالس الكبار
    الأطفال يكتسبون «السنع» من مجالس الكبار

زرع الألفة
ومن «السنع» أن يُعجَّل بكسر الصيام، حيث يفطر الصائمون على التمر واللبن أو التمر والقهوة، ثم يؤدون صلاة المغرب جماعة، ومن بعدها يعودون لإكمال تناول طعامهم. وكان من المتداول أن يبدأ الأطفال بتعلّم الصلاة في شهر رمضان حيث يرافقون أهلهم إلى المساجد لأداء صلاتي العشاء والتراويح. الأولاد يذهبون مع آبائهم، والبنات مع أمهاتهن حيث يصطففن خلف ساتر يفصلهن عن الصفوف الأمامية للرجال.
وفي ضوء قراءتها للعادات في المجتمع المحلي، اعتبرت المغني أن إدراج «السنع» كمادة للتعليم ضمن المناهج الدراسية، لا يغني عن ممارسة التقاليد في الحياة اليومية، لاستيعاب أثرها في تعزيز لحمة المجتمع وزرع الألفة بين أبنائه، ودورها الأساسي في حماية الهوية الوطنية والخصوصيات المحلية ذات العمق الإنساني والإيجابي.

  • مريم سعيد الواجف
    مريم سعيد الواجف

«المقهوي»
ومن أكثر ملامح «السنع» انتشاراً في المجتمعات الخليجية عموماً والمجتمع الإماراتي خصوصاً، عادات تقديم القهوة التي شرحت طقوسها مريم سعيد الواجف من جمعية «شمل»، موضحة أنها من شروط حسن استقبال الضيف. وقالت إنه بحسب المتوارث، أن يقوم الأصغر سناً في المجلس بتقديم القهوة، ويطوف على الضيوف ومعه «المغسل» مبتدئاً من جهة اليمين، أو يبدأ بشيخ القبيلة أو كبير الموجودين. وذكرت أن «المقهوي» يمسك الدلة بيده اليسرى، والفناجين بيده اليمنى على ألا تزيد على 3 أو 4 فناجين، ولا يملأ أكثر من ثلث الفنجان. وإذا أعاد الضيف الفنجان بعد شربه ولم يهزه أو يتلفظ بكلمة شكرٍ، يعاود «المقهوي» الصب مرة أخرى. أما إذا هز الضيف الفنجان أو قال «غنمت»، فهذا يعني أنه اكتفى من القهوة ويرد عليه «سلمت». 

  • فاطمة المغني تدرب البنات على أصول صب القهوة (أرشيفية)
    فاطمة المغني تدرب البنات على أصول صب القهوة (أرشيفية)

«المخاشمة»
وبالإضاءة على آداب السلام في المجالس، ذكرت الوالدة مريم أنها تكون بـ«المخاشمة» أي ملامسة الأنف بين الرجال والأطفال الذين يجلسون بالقرب من الأب والجد ويتعلمون أصول «السنع». والأمر نفسه بالنسبة لصغيرات السن اللاتي يكبرن على صلة الرحم واحترام العائلة وتقديم المساعدة للمحتاج. 
أما آداب الحديث فتعرف بـ«الرمسة الذربة» في اللهجة المحلية، وهي تدل على الأخلاق العالية وصون العادات والتقاليد في المجتمع، والتي تسعى كل أسرة إماراتية إلى نقلها لأبنائها منذ نعومة أظافرهم ليكبروا على الخصال الطيبة والسمعة الحسنة.