لا ينحصر السفر بالطّائرات والسّفن والقطارات، بل إنّ مسمّى الرّحلة كما يعرفه الكثيرون هو مسمّى واسع لا يرتبط دائماً بالماديّات والأماكن. فكم مرّة سافرنا بخيالنا وأفكارنا دون أن ننتقل بأجسادنا! تجارب السّفر يمرّ بها الجميع في وجدانه وعواطفه، وربّما تتذكّر إحدى رحلات خيالك الواسع، وما وصلت إليه في عالم التّرحال دون أن تبرح مكانك.
ونحن على أعتاب نهاية شهر القراءة دعني أسألك: هل جرّبت مرّة أن تُسافر في كتاب؟! نعم، أنا أقصد ذلك. أن تعيش واقع رحلة خياليّة جميلة، تعيش داخلها بحيث تحلّق ممتطياً صفحات الكتاب، وتجلس في مقاعد الدّرجة الأولى بين فصوله، وتغوص في معانيه وكلماته، وتكتشف مقاصد كثيرة دون الحاجة إلى تأشيرة دخول. هل جرّبت السّفر في رواية بحيث تضع نفسك بين أبطالها، وتعيش أحداثها، تصعد معهم الجبال إذا صعدوا، وتنزل البحار متى نزلوا، وتحذوا حذوهم في كلّ ما فعلوا؟
كم هو شعورٌ جميل أن تنتزع نفسك من واقع الحياة ومشاغلها ومتاعبها، وتعيش مع كتابك في رحلة ممتعة! لا يهمّ هنا نوعيّة الكتاب، بل المهمّ أن تفهمه، وتشعر أنّك أنت من كتب تفاصيله، تتحرّر من روتينك اليوميّ، وتعيش بطلاً في كتابك، تستشعر فصول السّنة المختلفة فيه، تزور الأماكن التي ذُكرت كما لو كنت مسافراً، وربما لو كنت مسافراً لما زرتها قط، تعيش الأحداث في سفر متعدّد الأبعاد. 
 هناك كثير من الأشخاص لا يستطيعون السّفر أو السّياحة، فقد تمنعهم ظروف عدّة. وهنا ينقسم الأشخاص إلى قسمين؛ قسم يفضّل نسيان موضوع السّفر والرّضا بالواقع والتّأفّف من كلّ رحلة يقرأ عنها، والقسم الآخر يُسافر افتراضياً، ويعيش أجواء من السّعادة الدّاخليّة الّتي حتماً ستُلقي بظلالها على نفسيّته وسعادته وحياته. يسافر من خلال كتاب، من خلال برنامج، من خلال خياله.
 قرأت قبل سفري إلى زنجبار كتاب «مذكّرات أميرة عربيّة» يروي قصّة الأميرة سالمة ابنة السّيّد سعيد بن سلطان، سلطان عُمان وزنجبار (1804-1856) وحفيد الإمام أحمد بن سعيد مؤسّس السّلالة الحاكمة في عُمان. وصراحة في هذا الكتاب سافرتُ إلى زنجبار قبل أن أذهب، حيث قدّمتِ المؤلّفة وصفاً عجيباً لهذه الجزيرة، وطريقة العيش فيها سابقاً. وللعلم هو كتاب شيّق لم يقتصر على وصف حياة الكاتبة في القصر بين أقرانها، بل تعدّاه لشرح الكثير عن جزيرة زنجبار وعاداتها، وطريقة الحياة فيها. كانت رحلة متكاملة في كتاب واحد. 
 نصيحتي لك أن تقرأ وتقرأ وتقرأ، ولولا أهميّة القراءة لما كانت أوّل كلمة نزلت في القرآن الكريم على نبينا محمّد - صلّى الله عليه وسلّم- هي «اقرأ»، مع تمنّياتي لك برحلة ممتعة بين دفّتي كتاب جديد.