هناء الحمادي (أبوظبي)

نشأت السفيرة فاطمة خميس المزروعي في بيت محب للعلم داعم للمرأة، وترجمت توجه القيادة الرشيدة إلى تثبيت قيم التسامح والتراحم وقبول الآخر، وحولته في حياتها إلى فكر وسلوك، وقد درست اللغة العبرية وآدابها بجامعة عين شمس في مصر، ثم حصلت على الماجستير في العلاقات الدولية من الجامعة الأميركية في واشنطن. 
سعت واجتهدت لتحقق حلمها بدخول عالم الدبلوماسية، الذي بدأ قبل 21 عاماً من خلال العمل في السلك الدبلوماسي في وزارة الخارجية، وتوالت المحطات بين أميركا، ثم بلجيكا فمصر، وانتهاءً لتكون من أوائل السفيرات الإماراتيات للخارج وأول سفيرة لدى مملكة الدنمارك في العام 2017.

وعن عملها الدبلوماسي في الدنمارك قالت: «الإنجاز الأهم كان تأسيس كيان فعلي لسفارة الإمارات الأول في الدنمارك بشراء المقرات وحشد الكفاءات اللازمة لتكوين قاعدة انطلاق قوية تليق بحجم دولة الإمارات وإنجازاتها، وقد حققت سفارة الدولة منذ إنشائها الكثير من النجاحات تمثلت بزيادة عدد الزيارات الرسمية والوفود المتخصصة المتبادلة على أرفع المستويات، وتوقيع اتفاقيات هامة وارتفاع معدل التبادل التجاري بشكل واضح.
وأضافت «أساءت بعض وسائل الإعلام الغربية لمنطقتنا، فما زال أوروبيون لا يمتلكون عن العرب إلا صورة نمطية سلبية تجعلها امتدادًا لمنطقة الخليج، ويتم تصوير العربي خاصة الخليجي في أذهان الغالبية العظمى على أنه يعيش حياة بدائية مع الإبل في الصحراء، لذلك تركز جهود السفارة المستمرة على التوجه للمجتمع المحلي بالزيارات الميدانية وإقامة نشاطات ثقافية مختلفة أو المشاركة بها، والدعوة للحوار الثقافي، والتفاعل مع الصحافة المحلية بالتعليق على المستجدات والرد على الشبهات، بالإضافة طبعاً لتسليط الضوء على أخبار الإنجازات المميزة للدولة، سواء كانت إنسانية كدورها النشط بتقديم المساعدات بكل صورها للعالم، خلال جائحة «19 -COVID»، والعلمية كإطلاق مسبار الأمل إلى المريخ، أو العالمية كاستضافتها المعرض الأضخم إكسبو دبي.

  • تحية ملكة الدنمارك في حفل استقبال 2018
    تحية ملكة الدنمارك في حفل استقبال 2018

أوضحت السفيرة فاطمة خميس المزروعي أن الجهود المستمرة للقيادة الرشيدة في دولة الإمارات في إكمال مسيرة المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيّب الله ثراه، قد توّجت إقليميًا باستحداث وزارة التسامح والتعايش في العام 2016 لضمان الحفاظ على ثقافة التسامح التي قامت عليها، وترسيخ بصمتها في الوقت الصعب، الذي تشوبه نزعات التطرف الفكري والتشدد الديني والكراهية الطائفية.. أما توقيع وثيقة الأخوة الإنسانية فقد كانت إنجازًا عالميًا لم يسبقها إليه أحد، لذلك يقوم العمل الدبلوماسي بشكل أساسي على تعريف المجتمعات الأخرى بإنجازات الدولة المشرفة بهذا المجال والترويج له.

الشرقية والغربية
ولفتت إلى أن الدبلوماسية فن السهل الممتنع، تحتاج لمهارات الذكاء الاجتماعي وفن التخاطب والثقافة المنوعة والاطلاع الكافي بشكل يمكّن الدبلوماسي ويقربه من ثقافة البلد المضيف، لأن جوهر عمله قائم أصلًا على بناء الجسور الإنسانية بين بلده وأي بلد يتواجد فيه، والدبلوماسي الناجح هو القادر دائمًا على تحقيق المعادلة الصعبة بين التعايش مع تحديات الثقافات الجديدة والإصرار على التمسك بثوابت عاداته وتقاليده ليكون ممثلاً حقيقياً لبلاده، ويضع حجر الزاوية لبناء علاقات ثنائية قوية لا تقوم على التماهي، بل الاندماج الذكي والمتكافئ.

الجائحة
وحول المواقف والتحديات الصعبة، تؤكد المزروعي «التحديات هي الجزء الممتع الذي لا يتجزأ من عمل الدبلوماسي، وبلا شك تزداد طبيعة هذه التحديات بازدياد الفوارق الجغرافية والتاريخية والثقافية، مبينة أن التحدي الأحدث فقد ارتبط بجائحة «كوفيد-19» العالمية، حيث منعتني ظروف الإغلاق العام، والقيود الصارمة من السفر للإمارات، ورؤية عائلتي قرابة العام، وبعد سفري أخيرًا مطلع العام الحالي فوجئنا بقرار الدنمارك حظر الرحلات الجوية من الإمارات، وتطلب العمل الجاد والمستمر للدفاع عن الإمارات، وإيجاد حل سريع بعقد المباحثات الثنائية بين البلدين، لفتح الأجواء بالسرعة الممكنة أمام الطيران الإماراتي.

عمل الدبلوماسي
وأشارت إلى احترام تعددية الأديان والأعراق والثقافات، التي احتوتها دولة الإمارات، وحافظت على خصوصيتها أعطتنا كمواطنين ودبلوماسيين الكثير من الممكنات وأدوات التواصل التي تساعدنا في فهم المجتمعات الجديدة بثقافاتها المختلفة.  وتضيف: ما زلت أذكر جولاتنا مع الوالد، رحمه الله بين مناطق الإمارات، وأنا طفلة لم أتجاوز الخمسة أعوام، ومدى استغرابي من رؤية الأجانب في دبي، الذين يعيشون بأسلوب حياة ومظهر وملابس لا تشبهنا، وتوضيح أبي للأمر ببساطة قائمة على إيمانه بالتنوع وتقبل الآخر «أنهم إنجليز باعوا بيوتهم هناك ليشتروا بها أشعة الشمس، والأمان الذي تمنحهم إياه الإمارات»، وعندما كبرت أدركت طبعًا بأن أرض الإمارات كانت دائماً ملتقى للأديان والحضارات والثقافات، وأن المغفور له الشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم، رحمه الله، مؤسس دبي، قد احتفى منذ البدايات بالتعددية والتنوع وتقبل الآخر. 

  • في القصر الملكي  لدى اعتماد أوراقها سفيرة في  يناير 2017
    في القصر الملكي لدى اعتماد أوراقها سفيرة في يناير 2017

تجارب وخبرات
وحول التجارب والخبرات تذكر سفيرة الدولة في الدنمارك فاطمة المزروعي: الدبلوماسي المجتهد يسعى للاستفادة من كل الإيجابيات في بلد مقر بعثته، ومملكة الدنمارك رائدة في عدة مجالات تهم دولة الإمارات كالتحول للطاقة الخضراء المستدامة والتكنولوجيا، ورقمنة الخدمات وتميز نظام الرفاهية الاجتماعية والابتكار في أساليب البحث والتعليم، لذلك سعيت منذ بداية تأسيس سفارتنا لإيجاد شبكة علاقات واسعة مع جميع أطياف المجتمع الدنماركي تمكننا من الاطلاع وتبادل الخبرات ومحاكاة النماذج المتميزة على الصعد كافة.

الغنى والتنوع
عما يميز الشعب الدنماركي تذكر المزروعي أن الشعب الدنماركي شعب بسيط وودود ومعتز جدًا بتاريخه وثقافته التي تمتاز بالغنى والتنوع، وأهم ما يميزها فن العمارة والتصميم الذي يمتاز بالدقة والبساطة والجودة معاً. أما المطبخ الدنماركي فيتربع بأسلوب طهيه القائم على إحياء التراث الاسكندنافي مع لمسة معاصرة على عرش المطابخ العالمية حاليًا، وتعتبر كوبنهاغن مركزاً لتذوق الطعام الاسكندنافي ضمن مطاعم ذات شهرة عالمية، مثل Noma وGeranium، ولكن يبقى خبز الجاودار والأجبان واللحوم والأسماك المقددة والنباتات الجذرية، كالبطاطا والجزر من الأساسيات فيه.

  • إهداء كتاب «علمني زايد» لطالب خلال زيارة لمكتبة مدرسة في 2019
    إهداء كتاب «علمني زايد» لطالب خلال زيارة لمكتبة مدرسة في 2019

سفر واغتراب
بين الاغتراب والحنين للأهل تلفت المزروعي إلى أن التواصل عبر المنصات الاجتماعية مع العائلة أعطاها ميزة القرب منهم رغم السفر والاغتراب، أما هواياتها فهي كثيرة، حيث تستمتع بتغذية الروح بالقراءة والتأمل والاستماع للموسيقى وممارسة اليوغا، والتصوير كلما استوقفها الجمال في أي تفصيل من حولها، وتحب قضاء بعض الوقت في الطبخ، خاصة الأكلات الإماراتية.

هوايات متعددة
على المستوى الفكري، توضح المزروعي: تستهويني المطالعة التي تثري تجربتي الإنسانية، وتساعدني بتشكيل صورة عامة حول مستجدات العالم، وعلى المستوى الجسدي استمتع عندما يسمح الطقس بذلك برياضة المشي، التي أمارسها للاستمتاع بطبيعة الدنمارك الجميلة جدًا، والتأمل وترتيب الأولويات، إضافة لمشاهدة أو رعاية الأحداث الرياضية ومشاركة الدنماركيين أحيانًا شغفهم في ركوب الدراجات الهوائية، فكوبنهاغن تُعد رسمياً المدينة الأولى للدراجات على مستوى العالم، ما سيجعلها المحطة الأولى لانطلاق Tour de France في العام 2022.

  • من مؤتمر الأمم المتحدة لإعادة إعمار سوريا
    من مؤتمر الأمم المتحدة لإعادة إعمار سوريا