نسرين درزي (أبوظبي)

مع كل ما يقال عن فرط استخدام الآلة في العصر الحديث، إلا أن أحداً لا ينكر أهميتها على تطور عجلة المجتمعات، ولا سيما مع دخول التكنولوجيا في تفاصيل يومياتنا ومن ضمنها الأجهزة الإلكترونية وتقنيات الروبوت والذكاء الاصطناعي، بحيث تحولت معظم إنجازاتنا لتكون عبرها، فكيف أثرت الآلة منذ القدم ولا تزال، على سير الحياة وتقدمها؟ وإلى أي مدى يمكن الاستفادة منها بعيداً عن فكرة تحولها إلى هاجس يقضي على الحركة والإنتاجية والتواصل الفعلي؟
إذا كانت بداية الآلة تعود إلى عصور ما قبل التاريخ، حيث اخترعها الإنسان لتسهيل عمله ومساعدته على أداء المهام الموكلة إليه بفعالية أكبر، فإن الهدف منها هو نفسه اليوم مع تغير المصطلحات والأدوات بما يلائم تطورات الزمن ومتطلباته. وإذا كانت الآلات الـ 6 البسيطة أبرز اختراعات الإنسان الأول، وهي الفأس اليدوي، المجرى المنحدر، العجلة والمحور، الرافعة، البكرة، والبرغي، فإنه من الطبيعي أن يطغى عالم الروبوتات على أنظمة الذكاء الاصطناعي في عصر التكنولوجيا والفضاء.
عن حيثيات الآلة وانعكاساتها على حياتنا منذ القدم، تحدثت الدكتورة ريم العطاس، الخبيرة في الذكاء الاصطناعي والمتخصصة في علوم وهندسة الكمبيوتر من جامعة «بريدجبورت»، مشيرة إلى أن اختراع الآلة جاء ليساعد الإنسان على إنجاز المهام الصعبة التي تسهل أموره وتجعله ينتج بشكل أفضل وأسرع.
ومع مرور الزمن تطورت الأهداف بحيث أصبح الفرد يقوم بنشاط يدوي أقل، تاركاً للآلة مهمة تنفيذ العمل الرتيب المتكرر، مما أوجد للعمال والموظفين لاحقاً، المزيد من وقت الفراغ لاستثماره في أنشطة إبداعية أو ترفيهية.
وذكرت أنه بعدما وجدت الآلة لحرث الأرض وتسهيل الزراعة إلى أن تطورت لأغراض صناعية، بات التفكير بها ينصّب حول تفعيل قدرتها على استكمال المهام التي قد يكون من المستحيل على الإنسان إنجازها.

واعتبرت العطاس، وهي رائدة بيانات في وكالة ناسا، ولديها 4 براءات لاختراعاتها، بينها الخوذة الذكية ونظام الواقع المعزز، أنه مع بزوغ عصر السرعة لا يمكن إنكار الدور المحوري الذي لعبته أجهزة الكمبيوتر، إذ سهلت على البشرية في بقاع الأرض الحصول على المعلومات وإمكانية نشرها وتبادلها بين الأفراد والمجتمعات والجهات المتخصصة، مما سمح شيئاً فشيئاً بزيادة الإنتاجية وتوفير أساليب مبتكرة لتواصل أفضل مع العالم وتحقيق الازدهار والاستدامة وتحسين مستويات العيش.
وذكرت العطاس التي قدمت أطروحتها حول الروبوتات المعيارية التطورية التي يمكن استخدامها لاستكشاف الفضاء، أن الآلة على أنواعها من أهم الاختراعات وأكثرها تشعباً.
وأوضحت أن حقيقة الآلة لطالما أوجدت سجالاً في محافل النقض المجتمعي، مع وضعها دائماً في مقدمة أي تطور، وإلقاء اللوم على سوء استخدامها في أمور قد تؤثر سلباً على الإنتاجية الفريدة المبدعة.
وعلى النقيض من أن صفحات الإنترنت باتت ضرورة قصوى في حياتنا للاطلاع على البيانات العلمية وآخر خطوط التكنولوجية المكملة لمختلف الميادين، فإن الإفراط في تصفح الإنترنت وتطبيقاته على مختلف الأجهزة الذكية، قد يكون عاملاً خطيراً في مسيرة التقدم والإنجاز. فالآلة هنا يصح فيها القول بأنها سيف ذو حدين، ولا سيما عندما ترتبط بعوامل جذب مبالغ فيها، مما يشتت الانتباه ويعوق التركيز على الأمور الأساسية لصالح الترفيه بغير وقته ومكانه.
وأشارت العطاس إلى أن الحديث عن الآلة في هذا الزمن يستوجب التوقف عند المبالغة في استخدام وسائل التواصل الاجتماعي التي تهدد بالتسبب في الإدمان الإلكتروني والغيرة المدمرة عند الإفراط في التعلق بها، وتجعل الأشخاص أقل سعادة وأقل قدرة على تحديد الأهداف المهنية وبناء الصداقات الحقيقية، وهذا برأيها لا يعود إلى تطور الآلة في تقصير المسافات بين الأشخاص، وإنما في عدم الوعي الكافي لدى المجتمعات في كيفية تسخير التكنولوجيا للتقدم الإيجابي وليس العكس.

مدن ذكية
وتحدث الدكتور أشرف النجار، أستاذ الذكاء الاصطناعي بجامعة الشارقة، عن التأثيرات الإيجابية للروبوت على جيل المستقبل. وأوضح أن التقنيات التي أفرزتها الآلة عموماً تصب كلها في خدمة الإنسان، بحيث تعمل على تسهيل الحياة وإيجاد فرص جديدة من الوظائف، بهدف مواكبة الثورة الصناعية الرابعة.
وذكر أنه مع كثرة استخدام الروبوتات وتقنيات الذكاء الاصطناعي في عصرنا، باتت الحاجة ماسة إلى متخصصين في هذا المجال لسد حاجة سوق العمل. وأصبح من الضروري تطوير المهارات الفردية للموظفين والمتخصصين من خلال برامج إعادة تأهيلهم وتمكينهم من استخدام هذه الأدوات المتقدمة للحصول على إنتاجية أفضل بكفاءة عالية في مجالات مختلفة، مثل المساعدة المكتبية والقانونية، إدارة المصانع والمخازن، الرعاية الطبية، قيادة المركبات والطائرات، مجالسة الأطفال وكبار السن وسواها.
وأشار النجار إلى أهمية الاستعداد للعيش في مدن ومنازل ذكية، وترسيخ ثقافة قبول التقنية الحديثة في المجتمعات، وكذلك تحويل الجامعات إلى حاضنات للابتكار والتشجيع على الإبداع وبلورة الجانب التطبيقي، بما يتلاءم مع المرحلة الجديدة ويلبي الطموحات لتخريج كوادر متخصصة قادرة على مواكبة متطلبات العصر.
وأضاف أن من أهداف استخدام الروبوتات، مساعدة البشرية وتخفيف الأعباء عنها لإتاحة فرصة أكبر للاستمتاع بالحياة، وهي ليست كما يروج البعض بأنها منافس آلي يقوم بدلاً عن الإنسان بوظائف مختلفة وبشكل أفضل وأسرع.
فالآلة لا تقلل أبداً من دور الإنسان لأنها تعمل تحت سيطرته، مثل روبوتات الخدمات التي يمكنها مثلاً القيام بالأعمال المنزلية بمسؤولية دقيقة ومرضية جداً. ولفت النجار إلى أنه عند تصنيع الروبوتات يؤخذ في الاعتبار أن لا تلحق أي أذى بالإنسان، وأن لا ترضخ لأوامر البشر إذا كان من شأنها إلحاق الأذى.

إبداع وابتكار
من جهته، ذكر سلطان كراني، المحاضر في التنمية البشرية، أن للآلة الفضل الكبير في تطور الإنسان بشكل مطرد، ولا سيما منذ اختراعها للقيام بأعمال لا يستطيع البشر بقدراتهم الجسدية المحدودة القيام بها. واعتبر أنه في العصر الحديث تحولت هذه النعمة جزئياً إلى مشكلة، لأنها جعلت الإنسان كائناً خاملاً، مما أضرّ بصحته الجسدية والعقلية، ولا سيما بعد انتشار وسائل التكنولوجيا التي أغفلت عامل التفاعل الحقيقي.

وأشار إلى دراسة أجراها الباحث روبرت هاولي في العام 2019 عن تأثير الذكاء الاصطناعي على الأطفال والمراهقين، واستنتج خلالها أن الخطر يكمن في عدم فهم الأطفال لخوارزميات الكمبيوتر، إذ إنهم يعيشون العالم الافتراضي وكأنه واقع، مما يهدد أجيال المستقبل بفقدان أشكال التفكير الواقعي وتبادل المشاعر بين الأفراد، وهي من أساسيات التعايش المجتمعي.
إلا أنه وعن نفسه يرى الكراني أن المخاوف مبالغ فيها، بدليل أن كل الاختراعات أوجدت الكثير من فرص الإبداع والابتكار والتواصل الحضاري الذي لم يكن بهذه السهولة في تاريخ البشرية، كما أن الشبكة العنكبوتية التي يلومها كثيرون، تَعد بظهور عشرات الملايين من الهويات المجهولة.

وسيلة أم غاية؟
اعتبرت ريم صبري، التي تملك قناة على «يوتيوب»، أن الآلة سهلت الحياة وعقدتها في آن، مع الكثير من الإيجابيات والسلبيات.
وقالت: إن الهاتف الذكي هو الآلة المفضلة لديها في عصر التكنولوجيا، معتبرة إياه من الوسائل التقنية التي تعمل بالاتجاهين، إذ بالرغم من كونها توفر الوقت وتزيد الإنتاجية، وتواكب التطور في عالم الأعمال، إلا أنها دمرت مقاييس كثيرة تتعلق بالتفاعل بين الناس، وهي برأيها مثل السيارة التي خفضت الحركة، والإنترنت الذي قلل من القراءة الورقية وهكذا، حتى باتت الآلة تتحكم في يومياتنا بدلاً من تحكمنا بها، مما يحتم الموازنة بين الوسيلة والغاية. وترى ريهام شرارة، ناشطة على مواقع التواصل الاجتماعي، أن المجتمعات التي شهدت أطواراً متعددة من النمو بفضل الآلة، تنعم اليوم بعصر يعج بمقومات الراحة التي توفرها الاستخدامات الإلكترونية. وبالنسبة لها، فإن الثلاجة من أعظم الاختراعات التي شهدتها البشرية، لأنها من الآلات التي ساعدت الإنسانية كثيراً في التفنن بأصناف الطعام التي تعد من ملذات الحياة. أما شريف صبيح الذي يعمل في مجال البرمجة، فلا يتخيل حياته في عصر لا دور فيه للآلة. وقال: إنه بمجرد التفكير بتفاصيل يوم ليس فيه كهرباء أو ساعة أو سيارة أو تلفاز أو «واي فاي» أو أجهزة مطبخ، سوف نقدّر كم أن للآلة أهمية لم يعد من الممكن العيش من دونها وإلا نعود إلى البدائيات حيث المشقة.

قبل 5000 عام
تم اختراع 4 آلات بسيطة في الشرق الأدنى القديم، هي العجلة والمحور في بلاد ما بين النهرين خلال الألفية الخامسة قبل الميلاد، والرافعة التي استخدمت في ميزان بسيط لأول مرة قبل 5000 عام، واعتمدت كذلك لتحريك الأشياء الكبيرة في الحضارة المصرية القديمة، والبكرة التي وجدت في أوائل الألفية الثانية قبل الميلاد، والبرغي الذي يعد آخر الآلات البسيطة التي تم اختراعها خلال العصر الآشوري الحديث (911-609) قبل الميلاد.

معالجة الرموز
في عام 1837 صمم تشارلز باباج آلة لجدولة اللوغاريتمات، ويعد هذا الاختراع بمثابة آلة حاسبة متطورة ومحرك تحليلي لجهاز الكمبيوتر، أما النموذج المستخدم لدراسة أجهزة الكمبيوتر الحديثة، فيسمى «تورينج»، وقد اخترع هذه الآلة، آلان تورينج في العام 1936، وهي عبارة عن نموذج مجرد يعالج الرموز وفقاً لجدول من القواعد، وتستخدم كذاكرة أساسية لتخزين البيانات على شريط بطول لانهائي لإجراء عمليات القراءة والكتابة.

تخطيط الحركة
عند اختراعها منذ القدم، كانت الآلة عبارة عن هيكل يستخدم القوة للتحكم في الحركة وأداء مهمة معينة، بدأت قيادة الآلات تاريخياً مع الحيوانات والأشخاص، ثم تطورت للعمل بواسطة قوى طبيعية مثل الرياح والماء، وعن طريق إنتاج الطاقة الكيميائية والحرارية والكهربائية. وتتضمن الآلة نظاماً من الآليات التي يمكنها تحويل مدخلات محددة إلى مخرجات مرغوبة، وتتألق الآلة في عصرنا، من خلال الكمبيوتر والروبوت والتكنولوجيا والذكاء الاصطناعي وأجهزة الاستشعار المستخدمة لمراقبة الأداء وتخطيط الحركة.

فأس ورافعة
الفأس اليدوي يعتبر أقدم آلة بسيطة صنعها الإنسان الأول في العصر الحجري لاستخدامها في أغراض القطع، يليه الممر أو المجرى المنحدر الذي تم استخدامه منذ عصور ما قبل التاريخ لنقل الأشياء الثقيلة، وقد تم بناء الأهرامات المصرية باستخدام 3 من الآلات الـ 6 البسيطة، وهي الفأس اليدوي، المجرى المنحدر والرافعة.