تتسع القنوات، ويصير الفضاء أكثر رحابة، واحتمالاً لازدحام البشر، والتفاوت لا التلاحم أو التلاقح الفكري، فالازدحام يختلف كثيراً عن المصطلحين الآخرين، والقصد هنا أن الازدحام لا يعد ثراءً في كل الأحوال، بل إن هناك ازدحاماً فارغاً، وباهتاً، وضعيفاً رغم كثافته، من هنا يصير توليد الأفكار الحقيقية، والصادقة والمبهرة غائباً لا حضور له، الحضور حينها للحوار البيزنطي والسوفسطائي الذي لا يغني من جوع.
وأكثر الفضاءات ازدحاماً ما يسمى بالفضاء التقني الذاهب بنا إلى مجاهل عميقة، إن لم نتنبّه لها ونتعامل معها بوعي وإدراك وفهم علمي صحيح، وقعنا في مأزق الجهل بما يحدث، وبالتالي سيقودنا هذا الجهل إلى غابات من العتمة، وكثير من الحيرة، والتوهان، وعدم القدرة على الوقوف بثبات عند مواجهة رأي مخالف أو فكر هزيل أو ضال، وسيكون بعضنا تابعاً، ليست له القدرة على الفكاك من أسر المتبوع، ما لم يحصّن نفسه، أو يُحصَّن من داخل أسرته ليفهم ما يحمله المستقبل التقني للعالم من غيبيات وتكهنات، أو توقعات ومخترعات جديدة.
إن المتسع الذي يضيق كلما حاولت الاقتراب منه والاشتغال على فهمه وتفكيك أسرار غموضه، هو ذاك الفكر الذي يسود في وقت ما ويرفض المشاركة في الرأي، أو التحاور والنقاش، وإن بدت في السماء حالة صفو وغيمٍ قريب إلى المطر، ستجده يستمع ويناور ويدافع عن فكره بوسائل عديدة أُعدّت له ربما، أو حضّرها بنفسه من أجل تلك اللحظات التي تضعه على ناصية حوار قوي وصريح وواضح مع الآخر.
ومع التطور الذي يشهده عالم التواصل الاجتماعي الذي كلما اتسع فضاؤه ضاقت آفاق مريديه، خرج علينا قبل أيام تطبيق جديد يسمى «كلوب هاوس»، وهذا «الكلوب هاوس» فيه من المخاطر ما فيه بخاصة على الشباب والأطفال الذين لم نكد ننتهي من التوعية بخطورة «التيك توك» عليهم، حتى ظهرت لنا هذه الغرف المغلقة التي يتمدد فيها أصحاب الأهداف المسمومة الذين وجدوا الفرصة للإقناع صوتياً بما يحملون من فكر مرفوض، وعداءات لأوطانهم ويريدون للآخرين أن يتبعوهم، ولكنهم ضيّقوا الآفاق ولا يقبلون الرأي المخالف لهم.
 وفي الجانب الآخر، هناك غرف تقدّم الفائدة من خلال حوارات عميقة تلامس قضايا تهم الناس، وغرف تتعاطى موضوعات ذات صلة بالأدب والشعر وغير ذلك من الفنون، ومن المعوّل على الأسرة الإماراتية أن تلتفت إلى أبنائها وما يتابعون من محطات، أو ما يشاركون فيه من رأي قد لا يكونون على قدر كبير من الوعي بخطورته عليهم وعلى عقولهم ومستقبلهم.