يحلو لي أن أطالع الأعمال الفنية دون معرفة قصتها أو مشاهدة إعلاناتها أو حتى معرفة أبطالها إن أمكن لي ذلك، كي لا أخوض التجربة محملاً بافتراضات وتوقعات مسبقة قد تؤثر على استقبالي للعمل.. ربما لهذا السبب فاجأني فيلم بابيلون 2017، الذي جعلني أخوض تجربة حياة رجلين بين جدران سجون شديدة القسوة، قبل أن يتبين لي أنها قصة حقيقية راحت تترات نهاية الفيلم تستعرض صورها.. كان الفيلم مدهشاً وقاسياً، لكنه أعجبني.. فلماذا؟
ما الذي يدفع الناس لمشاهدة الأفلام المرعبة أو الحزينة أو العنيفة؟
سؤال وجيه طرحه الكثير من الباحثين.. حسب نظرية إدارة المزاج «مود مانجمنت ثيوري»، فإن الإنسان يطالع الدراما بهدف تعديل تجربته الشعورية.. يتابع مسلسلاً ظريفاً كي يضبط مزاجه بعد يوم عمل شاق.. يشاهد مسرحية كي يضحك في نهاية يوم مليء بالإحباطات.. لكن لو كان الأمر كذلك، فالسؤال لا يزال دون إجابة.. ما مبرر مشاهدة أفلام تثير مشاعر تصنف عادة على أنها سلبية؟ لماذا يخيف الشخص ويوتّر نفسه محفزاً إفراز الأدرينالين؟
لو أردت رأيي، فإن السبب قد يكمن في أن الإنسان يسعى لتنويع خبراته الشعورية والعاطفية.. لو كانت حياته تسير على وتيرة واحدة، قد يشاهد ما يجعله يواجه مخاطر لا يواجهها في حياته.. ومغامرات لا يخوضها في حياته..
فنحن لا نسعى حقاً للسعادة والسكينة كما يحلو لنا أن نعتقد.. لو ظلت حياتنا على هذه الوتيرة سنصاب بالملل والضجر، وقود الأزمات الوجودية في العصر الحديث..
قديماً كان الإنسان مشغولاً بالبقاء على قيد الحياة.. عاش على الصيد وجمع الثمار لآلاف السنين.. لفترة تضاهي ثلاثين ضِعف الفترة التي مرت منذ اكتشاف الزراعة وحتى غزو الفضاء! الحضارة الحديثة مجرد طرفة جفن في عمر البشر.. لم تعد مشغولاً حقاً بالبقاء على قيد الحياة، في عصر يتوفر فيه الماء في الصنبور والطعام في الثلاجة.. ما أعطى عقلك متسعاً للشعور بالفراغ خلال اليوم.. عقولنا ليست معتادة على هذا.. لهذا تحتاج لتحديات.. أهداف.. أعطني شيئاً يشغل بالي وإلا جننت!
لهذا السبب لا تنتبه عقولنا إلى شيء بقدر انتباهها للحكايات والقصص.. لو أردت حفظ أي معلومة مملة ضعها في شكل قصة، وستجد عقلك يفتح لها أبواب الذاكرة على مصراعيها مرحباً في شغف.. ويزول العجب إذا طالعت قواعد كتابة الحبكات القصصية، حين تجد أن «العقدة» أمر أساسي فيها.. هناك مشكلة يريد البطل حلها.. هدف يتمناه ولم يستطع -بعد- بلوغه.. هكذا تعمل عقولنا أصلاً.. أعطني مغامرة تعطي معنى لوجودي أصلاً..
لمثل هذا يشاهد الإنسان الأفلام.. للتوحد مع أحداث تنشط هذه الرغبة الكامنة في عقولهم ولتعويض ما ينقصهم في الحياة.. كالانطوائي أو من يعاني الوحدة، فيميل لقراءة الروايات ومتابعة المسلسلات كي يتوحد مع شخصياتها.. يحبهم ويتعاطف معهم ويعرف أسرارهم ويخوض معهم مشاكلهم وانتصاراتهم.. إنها «بيئة اجتماعية زائفة» توهم العقل اللا واعي بحدوث تفاعلات اجتماعية تشبع لديه الحاجات التواصل الاجتماعي..

ببساطة..
نحن لا نطالع الروايات والدراما بهدف إثارة المشاعر الإيجابية فقط، بل لإثراء تجربتنا الحياتية ككل.