ترجمة: عزة يوسف

على الرغم من أن الكثيرين لا يعتبرون الضوضاء مشكلة صحية خطيرة، إذ يعتقدون أنها مجرد ضوضاء، لا تتسبب في الموت، إلا أن الكثير من الدراسات الحديثة وجدت أن التلوث الضوضائي له آثار ضارة وخطيرة، ليس على البشر فحسب، بل على جميع الكائنات الأخرى التي تعيش على كوكب الأرض.
وأثبتت الأبحاث التي نشرها موقع الأكاديمية الأسترالية للعلوم أن التعرض للضوضاء لفترة طويلة أو بشكل مفرط، يسبب مجموعة من المشاكل الصحية، تتراوح بين الإجهاد وضعف التركيز وانخفاض الإنتاجية في العمل وصعوبات التواصل والإرهاق الناجم عن قلة النوم، بالإضافة إلى مشاكل أكثر خطورة، مثل أمراض القلب والأوعية الدموية، والضعف الإدراكي، وطنين الأذن وفقدان السمع.

تهديد صحي
وأصدرت منظمة الصحة العالمية تقريراً بعنوان: «عبء المرض من الضوضاء البيئية» في عام 2011، تناولت فيه نتائج عدة دراسات الوبائية واسعة النطاق للضوضاء البيئية في أوروبا الغربية، والتي تم جمعها على مدى فترة 10 سنوات، وحللت الدراسات الضوضاء البيئية الصادرة عن الطائرات والقطارات والمركبات ومصادر أخرى، ثم نظرت في صلاتها بالحالات المرضية والمشكلات الصحية، مثل أمراض القلب والأوعية الدموية واضطراب النوم وطنين الأذن والضعف الإدراكي لدى الأطفال والشعور بالانزعاج. 

ضوضاء المرور
ووجدوا أن ما لا يقل عن مليون سنة صحية تُفقد كل عام في أوروبا وحدها بسبب التلوث الضوضائي، ولا يشمل هذا العدد الضوضاء الصادرة عن أماكن العمل الصناعية، وخلص المؤلفون إلى أن هناك أدلة دامغة على أن التعرض للضوضاء البيئي له آثار ضارة على صحة السكان، كما صنفوا ضوضاء المرور في المرتبة الثانية بين التهديدات البيئية للصحة العامة، حيث يأتي تلوث الهواء على رأس القائمة، وأشاروا أيضاً إلى أنه في حين تتناقص أشكال التلوث الأخرى، فإن التلوث الضوضائي آخذ في الازدياد.

الأذن لاتتوقف عن العمل
ومن النتائج المثيرة للاهتمام التي توصل إليها الباحثون، أن الأصوات التي لا ندرك حتى أننا نسمعها هي التي تؤثر علينا أكثر من غيرها، لا سيما تلك التي نسمعها عندما نكون نائمين، إذ أن الأذن البشرية حساسة للغاية ولا تستريح أبداً، لذلك حتى عندما تنام، فإن أذنيك تظلان تقومان بوظيفتهما بشكل دائم، وتلتقطان وتنقلان الأصوات التي يتم ترشيحها وتفسيرها بوساطة أجزاء مختلفة من المخ، وحتى عندما لا تكون على وعي كامل بذلك، تكون الضوضاء الخلفية لحركة المرور أو الطائرات أو الموسيقا القادمة من أحد الجيران قيد المعالجة، ويتفاعل جسمك معها بطرق مختلفة عبر الأعصاب التي تنتقل إلى جميع أجزاء الجسم والهرمونات التي يفرزها الدماغ.

قلق دائم
وتؤدي الضوضاء إلى آثار سلبية، أكثرها وضوحاً النوم المتقطع، مع تداعياته المتمثلة في الشعور بالتعب وضعف الذاكرة، وعدم القدرة على الإبداع، وعدم القدرة على إصدار أحكام دقيقة وضعف المهارات الحركية، وأظهرت الأبحاث أن الأشخاص الذين يعيشون بالقرب من المطارات أو الطرق المزدحمة لديهم معدل أعلى للإصابة بالصداع، ويتناولون المزيد من الحبوب المنومة والمهدئات، وهم أكثر عرضة للحوادث البسيطة والحصول على العلاج النفسي، غير أن هناك نتيجة أخرى أكثر خطورة، حيث تؤدي الضوضاء المستمرة إلى استجابة الجسم الحادة للضغط، بارتفاع ضغط الدم ومعدل ضربات القلب وفرط التوتر، وتؤدي تلك الاستجابات إلى أمراض القلب والأوعية الدموية وغيرها من المشاكل الصحية.

أضرار وخيمة
من ناحية أخرى، وجد علماء بجامعة باسيفيك في أوريغون بالولايات المتحدة أن التلوث الضوضائي له عواقب وخيمة، لم تكن معروفة سابقاً على الحياة البرية، حيث تُقلل ضوضاء المرور من قدرة الطيور المغردة على التعلم، وتُضعف مهاراتها في العثور على طعامها، كما تُؤثر على تنوعها البيولوجي وتطور فصائله، وقاد البروفيسور كريستوفر تمبلتون الباحث بالجامعة الدراسة التي أجراها الباحثون على العصافير أداء مهامها في البحث عن الطعام، واكتشف أن مجرد سماع أصوات السيارات المارة بالقرب من الطيور كان كافياً للتأثير على أدائها في مهام حل المشكلات والبحث عن الطعام، ولم تؤثر ضوضاء المرور على الطيور فحسب، بل وجدت دراسة أخرى نشرتها مجلة علم البيئة السلوكية أن أصوات السيارات المزعجة على الطرقات أضعفت قدرة الحشرات. 

تحديات
وصرح آدم بنت، المؤلف الرئيسي للدراسة وعالم الحيوان في جامعة كامبريدج بأن تأثير الضوضاء يؤدي إلى تداعيات قوية على النسل وقدرة الحشرات على البقاء وتعطل تطورها، كما يؤثر على كيفية تطوّر أنواع الطيور والتكيف بين بعضها البعض، وأفاد العلماء أنّ حماية البيئة الطبيعية من تلك الضوضاء ستشكّل تحدياً في المستقبل، حيث قال البروفيسور تمبلتون: إنه أصبح من الصعب حقاً إيجاد بيئات هادئة تماماً لا تتأثر بالضوضاء البشرية.

إضعاف التواصل
أوضح فرانسيس جوانز، عالم البيئة في جامعة فيكتوريا في كندا، وأحد مؤلفي الدراسة، أن الأصوات تنتقل لمسافات بعيدة للغاية تحت الماء، بينما تعتمد العديد من أنواع الأسماك على الصوت لاستشعار بيئتها أفضل من الضوء، الذي يميل إلى التبدد في الماء، في حين تنتقل الأصوات عبر الماء أسرع بكثير مما لو كانت في الهواء الجوي، وتستخدم الكثير من الأسماك والحيوانات البحرية الصوت للتواصل مع بعضها البعض، ولتحديد المواقع المناسبة للتكاثر أو التغذية واكتشاف الحيوانات المفترسة،  إلا أن الضوضاء المتزايدة من حركة الشحن وسفن الصيد والتنقيب عن النفط والغاز تحت الماء والإنشاءات البحرية والأنشطة البشرية الأخرى، تجعل من الصعب على الأسماك سماع بعضها البعض، وتحجب محاولاتها للتواصل.