هناء الحمادي (أبوظبي)

أمام حطبه المشتعل تحت دِلال القهوة العربية، يجلس سيف الدهماني (خبير التراث) ليستقبل ضيوفه من زوار مهرجان الشيخ زايد التراثي من 20 نوفمبر الماضي حتى 20 فبراير المقبل بمنطقة الوثبة، ممن تحلقوا حول مشهد فريد من حياة البادية، يتلذذون بشرب القهوة الإماراتية، وسط أجواء تراثية مستوحاة من البيئة الإماراتية.
ويصنع الدهماني القهوة ويقدمها لزائريه وفق سنع الضيافة الإماراتية، مشيراً إلى أن جلسة القهوة تحتاج إلى الحطب والدلال والفناجين وأدوات إشعال الحطب والقهوة والتمر، حيث تستخدم ثلاثة أنواع من الدلال، وهي اللقمة لتلقيم القهوة وغليها، والمزلة التي يصب بها القهوة، والخمرة التي يوضع فيها القهوة الزائدة عن الحاجة، وتظل موجودة على النار حتى تبقى ساخنة.
وعن العادات القبلية الاجتماعية المتعارف عليها في دولة الإمارات يتحدث الدهماني: يجب أن تسكب القهوة للضيوف وأنت واقف، ولا تجلس حتى ينتهي جميع الحاضرين من شربها.. وعند سكبها وتقديمها للضيوف يجب أن تبدأ من اليمين عملاً بالسنة الشريفة، أو تبدأ بالضيف الأكبر سناً، وتكرر صب القهوة حتى يهز الضيف فنجانه، موضحاً أن أدوات تجهيز البن قبل تحويله إلى قهوة هي المقلاة الحديدية التي يتم تسوية البن فيها على النار، والمحماص، الذي يستخدم لتحميص وتقليب البن حتى يصبح لونه ذهبياً أو أحمر أو أسود، والمدق أو المنحاس، الذي يتم طحن القهوة فيه.

إعداد القهوة
وأضاف: تبدأ عملية إعداد القهوة في الغالب صباحاً، ويمكن أن تتم في أي وقت آخر، بتجهيز أدواتها اللازمة من دلال، وقدور، وفناجين، ومحماس، وغيرها وهي ما تعرف بـ «السلة أو المعاميل»، وقديماً كان البدو يحفرون حفرة دائرية الشكل غير عميقة، تحيط بها ثلاث حصيات توضع عليها الدلة بعد إشعال الحطب في هذه الحفرة، وذلك للمحافظة على القهوة ساخنة، وتقدم للحضور في كل حين، وفيما بعد عرف ما يسمى بـ «الكوار»، الذي يبنى في إحدى زوايا المجلس من الطين، ثم يلبس بالحصى، ويبطن بصفائح من الحجر الأملس ليكون موقداً توقد فيه نار القهوة، وبجانبه مكان مخصص لجلوس الشخص الذي يُعد القهوة، ومستودع صغير لتخزين الحطب يُطلق عليه «بيت الحطب».
ولإعداد القهوة، يتم فرز حبات القهوة، واستبعاد غير المناسب منها، ثم غسلها وتجفيفها، يلي ذلك تحميسها بوضع كمية من البن في «التاوة»، ومن ثم وضعها على النار، وتحريك البن بأداة تسمى «المحماس»، وهي مقبض طويل رأسه على هيئة هلال، حتى تميل حبات البن إلى اللون الأحمر دلالة على أن القهوة وصلت إلى المرحلة النهائية، حيث الطعم المميز الذي يرنو إليه الجميع وبعد ذلك توضع في المنحاز أو الهاون، أو النجر، لطحنها وتنعيمها، ويصاحب طحن البن صوت جميل يتماهى مع رائحة خاصة تملأ المكان.

موروث 
مبارك الحوسني الذي حضر مع أفراد عائلته لزيارة مهرجان الشيخ زايد باستمرار، قال إن مهرجان الشيخ زايد ملتقى الكثير من العائلات وزيارته فرصة ليتعرف الجيل الحالي على الموروث الإماراتي الغني بالكثير من الثقافة الإماراتية من عادات وتقاليد ما زالت حاضرة. ويذكر: شكّلت القهوة جزءاً لا يتجزأ من الثقافة العربية لقرون عديدة، إذ مازالت جذورها مرتبطة ارتباطاً وثيقاً بتراث المنطقة، حيث يُعد تقديم القهوة من أهم تقاليد الضيافة في المجتمع العربي عامة والمجتمع الإماراتي خاصة، فضلاً عن كونها رمزاً للكرم كما ترتبط طريقة تحضيرها وتقديمها بالتقاليد والطقوس العريقة.

موقد تقليدي
وأوضحت شيخة أحمد المزروعي أن البدو في الماضي كانوا يمزجون القهوة مع الهيل والزعفران وتحضيرها على موقد تقليدي الصنع مُثبت في الأرض وتقديمها في فناجين صغيرة. ومع مرور الوقت، بدأ العرب باستخدام الكوار، وهو حفرة من الطين مع موقد مصنوع من الحصى والحجارة.. وفي البيوت أو الخيام، يتم وضع الكوار في ركن من أركان المجلس وبجانبه صندوق حطب ومقعد للشخص الذي يقوم بإعداد القهوة.

آداب التقديم
ولفتت مريم المطروشي (ربة منزل) إلى أن تقديم القهوة له آداب خاصة لابد من الالتزام بها حيث يجب على من يقوم بصب القهوة أن يحمل الدلة بيده اليسرى مع توجيه الإبهام للأعلى وحمل الفنجان باليد اليمنى. وكذلك تنص الآداب الخاصة بالضيف على استخدام يده اليمنى لتناول الفنجان وإعادته. كما يتم تقديم ربع فنجان من القهوة إلى الضيف الأهم أو الأكبر سناً، ويمكن إعادة ملء الفنجان مرة أخرى. وتشمل الممارسات الشائعة لشرب القهوة تناول فنجان واحد على الأقل وثلاثة فناجين كحد أقصى.. ويقوم الرجال والنساء بإعداد القهوة العربية من كافة فئات المجتمع والاستمتاع بتناولها خاصةً في المنزل.

مكانة كبيرة
«القهوة العربية على مر العصور ترمز لكرم الضيافة في كل البلدان العربية ولا تزال في الإمارات تحتفظ بمكانتها الكبيرة، ورغم مرور السنوات وتغير الظروف فإنها لا تزال حاضرة في كل البيوت في الدولة وحتى في أماكن العمل فهي تعبير صادق عن حسن استقبال الضيف ومن ثم الاحتفاء به، لذا أفسح المهرجان المجال لمجالس القهوة العربية وأتاح الفرصة للزوار في أن يستمتعوا بتناولها عبر الدلال النحاسية التي تنطلق منها رائحة البن وتفوح بين أرجاء المكان.

صور للذكرى
كثيراً ما يقترب زوار المهرجان من متابعة تفاصيل إعداد القهوة، حيث يتسابق الجميع لتصوير فيديو عبر هواتفهم، خصوصاً أن منظر الدلال المرصوصة والمتتابعة بالأحجام المختلفة له وقع خاص عليهم، كما أن رائحة القهوة نفسها شدتهم وجعلتهم يقتربون أكثر ويسعدون بالتقاط صور القهوة من زوايا عدة.