دانيال جروسمان*

رغم أن الخشب مازال يلعب دوراً مهماً في بناء منازلنا، لكن أعيننا تقع غالباً على أشياء مصنوعة من مواد صناعية مثل الفاينال. وفي عالم لم يغب عنه الخشب تماما، لكنه أصبح يتراجع ويبعد عن الأنظار بشكل متزايد، يشير عالم البيولوجيا «رونالد أنوس» إلى أننا لا نبدي ما يكفي من الاهتمام لأهمية الأخشاب. ويجادل «أنوس» بأن الخشب ليس مفيداً فحسب، بل يعد محورياً في تاريخ البشر. في كتابه «عصر الخشب: أكثر موادنا نفعا وبناء الحضارة» يقول إن الخشب «قدم استمرارية في قصتنا التطورية والحضارية الطويلة من الإنسان البدائي الذي يتنقل في الغابات إلى القناصة مستخدمي الرماح إلى الفلاحين مستخدمي الفؤوس إلى النجارين بنائي الأسقف إلى الباحثين قراء الأوراق».

تنوعات لا نهائية
وصف «لويس ممفورد»، ذات يوم، الخشب بأنه «أكثر المواد تنوعاً وإمكانية للتشكيل والخدمة» التي استخدمها البشر في إخضاعهم للبيئة. والتنوعات اللانهائية للخشب يتمتع بخصائص متنوعة ونافعة. والخشب ينمو طبيعياً في أحجام كبيرة كافية للبناء كما يمكن تقسيمه إلى شرائح رقيقة وقوية تصلح لتنظيف الأسنان. ويتحمل الخشب أيضاً أثقالاً مثل الخرسانة ويقوم بدور الصلب كدعامات بين الأعمدة. ويمكن نحته وصقله وحفره وثنيه وتشبيكه. ويمكن حرقه أيضاً لينافس الوقود الأحفوري في تدفئة المنازل. ويتحول إلى فحم نباتي عند حرقه في ظل غياب الأوكسجين وهو وقود مازال يستخدمه الملايين حول العالم للطهي، ويغذي بعض مواقد صهر الحديد. 

مسار الحضارة
ومؤلف الكتاب أستاذ بجامعة «هول» في إنجلترا ومتخصص في الخصائص الميكانيكية للأشجار ويشاركنا معه فضوله الذي لا يرتوي. ويركز عينيه الحادتين على التفاصيل ويفعل هذا بطريقة مسلية. ويستقي «أنوس» مادته من أبحاثه ومن معرفة دقيقة بالتاريخ والأنثروبولوجي وسلوك الحيوان وعلم الإدراك. ويجادل «أنوس» بأن الباحثين قللوا من قيمة تأثير الخشب على تطور البشر ومسار الحضارة. فقد جعلت قابلية الخشب للتلف مساهمته أقل وضوحا. وقسم علماء الأركيولوجيا بصفة عامة التاريخ القديم إلى عصور حجرية وبرونزية وحديدية. لكن «أنوس» يشرح أن التقدم التكنولوجي في هذه العصور دار حول الخشب. فقد ثبت البشر الأوائل الرؤوس الحجرية للفؤوس والرماح في أياد وأعواد من فروع الأشجار. والأدوات المعدنية في عصر البرونز حسنت استخدامات الخشب لصناعة قوارب وعجلات من الخشب. ومنتجات الحديد المبكرة تطلبت الفحم النباتي المستخرج من الخشب. 

انحسار الغابات
في الفصول الأخيرة من الكتاب، يفحص «أنوس» العلاقة الصراعية مع الغابات الحالية. ويذكر أن أراضي الغابات تغطي 31% فقط من يابسة الأرض هبوطا من 43% قبل ستة آلاف عام. ومازال انحسار الغابات مستمرا. فقد ذكرت منظمة الأغذية والزراعة (فاو) التابعة للأمم المتحدة أن العالم يفقد كل عام نحو 18 ألف ميل مربع من الغابات. وجانب كبير من انحسار الغابات يحدث في غابات الكونجو والأمازون المطيرة. وقيمة هذه الأدغال يتجاوز ما تحويه من خشب، فهي أكبر مستودع على الأرض للتنوع البيولوجي وبها أنواع بلا حصر لا توجد في أماكن أخرى. فحين يجري قطع غابة وإحلالها بمحاصيل زراعية يتكدس كم أكبر من ثاني أكسيد الكربون في الغلاف الجوي ويسارع بتغير المناخ. 

تغير المناخ
يقترح «أنوس» أفكاراً لإبطاء انحسار الغابات، وللاستفادة من الخصائص الراقية للخشب في مكافحة تغير المناخ. وعلى سبيل المثال، تنتج تقنيات صناعة رقائق الخشب عوارض خشبية أقوى وبأحجام وأشكال لم تكن متوافرة من قبل قط. ويمكن إنتاجها من قطع صغيرة تُهدر غالباً. وتجدر الإشارة هنا إلى أن النرويج أقامت، عام 2019، أطول مبنى من الخشب مؤلف من 18 طابقاً باستخدام عوارض الخشب المصنوعة من الرقائق المضغوطة. وهذه الكتل الخشبية تزن خمس مقابلها من مواد البناء من الصلب والخرسانة، وتتطلب النصف فقط من الطاقة في بنائها. ويكتب أنوس: «يجري التخطيط لإقامة مبان أطول، من إقامة مبنى مؤلف من 21 طابقا في امستردام إلى برج مؤلف من 40 طابقا في ستوكهولم إلى إقامة برج من 80 طابقاً في باريكان في لندن».
ويقر «أنوس» بأن مثل هذه الحلول التكنولوجية المتقدمة لن تنقذنا وحدها من أزمة المناخ. وينصح بأنه كي نبطئ ارتفاع حرارة الكوكب يتعين علينا الإقبال على الغابات وأخشابها بشكل أكبر من أي وقت مضى في التاريخ الحديث. ويجادل بأننا أصبحنا أسيرين لممتلكاتنا التي تلتهم الموارد والطاقة وفقدنا الصلة بالطبيعة والمنتجات البسيطة التي تبهجنا، ورغم كل وسائل الراحة الحالية فإننا «نعيش حياة أكثر فقرا من حياة أسلافنا».

إنسان الغاب
ميل الإنسان لصناعة الأدوات كان نوعاً من التكيف من العيش في مأوى. فقد صنع إنسان الغاب مهجعاً معلقاً من غصون الأشجار حتى يستطيع النوم دون مخافة السقوط على الأرجح. واستخرج الشهد وثمار الجوز بعصا من الخشب أعدها لذلك وهي مهارة تطورت نتيجة الإقامة في مأوى. ووجه «أنوس» لوماً لعلماء الرئيسيات لترددهم في تبني هذه الرابطة بين صناعة المأوى وتطور الإنسان.

عنوان الكتاب: عصر الخشب: أكثر موادنا نفعاً وبناء للحضارة
المؤلف: رونالد انوس
دار النشر: سكريبنر
عدد الصفحات: 318

........................................
*صحفي متخصص في الشؤون العلمية. 
ينشر بترتيب خاص مع خدمة «واشنطن بوست وبلومبيرج نيوز سيرفس»