نشغل أذهاننا دوماً بمشاكل العمل، أو الإعداد لخطط المستقبل، أو افتراض تبعات أمر قمنا به، أو تذكر شيء مضى وانقضى..  تزدحم هذه الأفكار في رؤوسنا فتعزلنا عن الواقع من حولنا.. عن الأشخاص الذين يحبوننا.. عن لحظات السعادة العابرة أمامنا بدلاً من أن نقتنصها..
في تحقيق الأهداف مصدر سعادة عظيمة بالطبع.. لكنها لحظات محدودة لا تأتي إلا في موسم جني الحصاد.. بينما السعادة الحقيقية هي الاستمتاع بعملية الزراعة نفسها طوال العام.. 
السعادة الحقيقية ليست أن يكره المرء حياته في سبيل لحظة بعينها، ليعود بعدها لتعاسته!
يحكي بعض الأصدقاء عن انشغالهم الدائم في أمور مهمة، بينما يقاطعهم أطفالهم من أجل الحديث معهم في أمر تافه عديم الأهمية.. يزعجهم إحساس زائف بأن ما يشغلهم أكثر أهمية مما يقال.. إذ إن لعبة الفيديو أو الكارتون الذي يحكي لك طفلك عنه، ليس أمراً تافهاً بالنسبة له، بل هو اهتماماته التي يريد مشاركتها مع أقرب شخص إليه.. إذ لا تتوقع أن يحدثك الطفل عن آخر مستجدات الساحة الجيوسياسية كي تعيره اهتمامك!  
تخيل معي هذا الموقف: تحكي لأعز أصدقائك موضوعاً مثيراً يصب في قلب اهتماماتك، فإذا به يصدك متأففاً لانشغاله في الموبايل.. تأمل هذا المشهد وقل لي: هل تريد أن تكون هذا الشخص لأطفالك؟ 
ليس الكلام عن توافه الأمور سلوكا تافها.. فالحديث مع شريك الحياة في المنزل، أو الأصدقاء في المقهى، أو الأقارب في الزيارة العائلية، لا ينبغي له أن يكون جاداً مقتصراً على القضايا الكبرى والمسائل المصيرية والأفكار الفلسفية التنظيرية العميقة.. بل إن توطيد التواصل الإنساني يتطلب أيضا تبادل الأفكار والآراء المسلية، بغض النظر عن مدى جديتها.. الحديث عن ألذ الأطعمة أو أظرف موقف مر بك خلال اليوم أو آخر فيلم أو رواية أو نكتة.. كفيل بتعزيز العلاقات أكثر من فتح موضوع جاد يثير الخلاف.. والحياة أقصر من إهدارها في المهاترات!
في روايته «المراهق» يقول دوستويفسكي: إن المفكر المثقف الذي ينشغل ذهنه دوماً بأفكار عليا، قد يدير ظهره لتفاصيل الحياة اليومية، فيصبح مع الوقت شخصاً سخيفاً مضحكاً.. ومع استمرار انعزاله الدائم عن الحياة، ستصبح نظرياته ورؤيته للحياة سخيفة ومضحكة هي الأخرى!